فَهَذَا بَعْضُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْمَثَلُ الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ مِنْ الْأَسْرَارِ وَالْحِكَمِ، وَلَعَلَّهَا قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرٍ بِحَسَبِ أَذْهَانِنَا الْوَاقِفَةِ، وَقُلُوبِنَا الْمُخْطِئَةِ، وَعُلُومِنَا الْقَاصِرَةِ، وَأَعْمَالِنَا الَّتِي تُوجِبُ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَإِلَّا فَلَوْ طَهُرَتْ مِنَّا الْقُلُوبُ، وَصَفَتْ الْأَذْهَانُ وَزَكَتْ النُّفُوسُ، وَخَلَصَتْ الْأَعْمَالُ، وَتَجَرَّدَتْ لَهُمْ لِلتَّلَقِّي عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لَشَاهَدْنَا مِنْ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ وَأَسْرَارِهِ وَحِكَمِهِ مَا تَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ الْعُلُومُ، وَتَتَلَاشَى عِنْدَهُ مَعَارِفُ الْخَلْقِ، وَبِهَذَا تَعْرِفُ قَدْرَ عُلُومِ الصَّحَابَةِ وَمَعَارِفِهِمْ، وَأَنَّ التَّفَاوُتَ الَّذِي بَيْنَ عُلُومِهِمْ وَعُلُومِ مَنْ بَعْدَهُمْ كَالتَّفَاوُتِ الَّذِي بَيْنَهُمْ فِي الْفَضْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ مَوَاقِعَ فَضْلِهِ وَمَنْ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ.
(فصل)
السّنة شَجَرَة والشهور فروعها وَالْأَيَّام أَغْصَانهَا والساعات أوراقها، والأنفاس ثَمَرهَا، فَمن كَانَت أنفاسه فِي طَاعَة فثمرة شجرته طيبَة وَمن كَانَت فِي مَعْصِيّة فثمرته حنظل وَإِنَّمَا يكون الجداد يَوْم الْمعَاد فَعِنْدَ الجداد يتَبَيَّن حُلْو الثِّمَار من مرّها وَالْإِخْلَاص والتوحيد شَجَرَة فِي الْقلب فروعها الْأَعْمَال وَثَمَرهَا طيب الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا وَالنَّعِيم الْمُقِيم فِي الْآخِرَة وكما أَن ثمار الْجنَّة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة فثمرة التَّوْحِيد وَالْإِخْلَاص فِي الدُّنْيَا كَذَلِك والشرك وَالْكذب والرياء شَجَرَة فِي الْقلب ثَمَرهَا فِي الدُنْيَا وَالْخَوْف والهم وَالْغَم وضيق الصَّدْر وظلمة الْقلب وَثَمَرهَا فِي الْآخِرَة الزقّوم وَالْعَذَاب الْمُقِيم وَقد ذكر الله هَاتين الشجرتين فِي سُورَة إِبْرَاهِيم.
(موعظة)
شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعازع {أين شركائي الذي كنتم تزعمون}
وأما شجرة الدباء فإنها تجتث عند نسمة من كان يعبد شيئا فليتبعه.
رياء المرائين صير مسجد الضرار مزبلة وخربة لا تقم فيه أبدا، وإخلاص المخلصين رفع قدر التفث.