ثم إن ذلك المرض الذي عرض لذواتهم والحالة المنافية التي قامت بهم لو لا أن وجدوا من ذواتهم قبولا بعروضها لهم ورخصة في لحوقها بهم لم يكونا يعرضان لهم ولا يلحقانهم ، فإذا كان مما تقتضيه ذواتهم أن تلحقهم أمور منافية مضادة بجواهرهم فإذا لحقتهم تلك الأمور اجتمعت فيها جهتان الملاءمة والمنافاة ، أما كونها ملائمة فلكون ذواتهم اقتضتها ، وأما كونها منافية فلأنها اقتضتها على أن تكون منافيه لهم ، فلو لم تكن منافية لم يكن ما فرض مقتضى لها بل أمر آخر.
وانظر إلى طبيعة الأرض التي تقتضى يبوسة حافظة لأي شكل كان حتى صارت ممسكة للشكل القسري المنافي لكرويتها الطبيعية ومنعت عن العود إليها ، فعروض ذلك الشكل للأرضية لكونها مقسورة من وجه ومطبوعة من آخر ، والإنسان عند عروض فعل هذا المنافي ملتذّ متألم ، سعيد شقي متلذذ ، ولكن لذته ألمه ، سعيد ولكن سعادته شقاؤه ، وهذا لعمرك أمر عجيب لكنه أوضح بنمط غريب ، ومن تأمل وأنصف ظهر له أن لا مخلص لكثير من الشبهات في هذا الفعل إلا بالذهاب إلى القول بالاستعداد الأزلي ، وأن لكل شيء أصالة في نفسه مع قطع النظر عن سائر الاعتيادات لا يقاضى عليه إلا هي ، لئلا يلزم انقلاب العلم جهلا وهو من أعظم المستحيلات والإنابة والتعذيب تابعان لذلك ، فسبحان الحكيم المالك ، فتثبّت أيها الرجل وكن رجلا حازما فقد زلت أقدام أعلام كثيرين كالاعلام في هذا المقام الذي لا ينجو منه إلا التائبون الجازمون بما هو كائن عند اللّه من أعمال وأفعال وأقوال وأحوال ، وإن ما هو مدون عنده أزلا للعبد لا بد وأن يدركه لا محالة ، راغبا كان أو راهبا ، راضيا أو ساخطا.