أغار عَلَيْهِ إِن صرح باسمه ... فَكيف إِذا مَا لَاحَ يَوْمًا جماله
ويطويه قلبِي عَن لساني صِيَانة ... وكل نَفِيس لَا يَلِيق ابتذاله.
الْجَواب إِن كَانَ السَّمِيع الْبَصِير رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلولا صِحَة سَمعه ونفوذ بَصَره لم يكن أَهلا أَن يُتْلَى على سَمعه مَا يُتْلَى ويجلى على بَصَره مَا يجلى.
وإن كَانَ السَّمِيع الْبَصِير هُوَ الله تَعَالَى فلولا أَنه سميع لأقوال عباده بَصِير بأعمال خلقه لما اخْتصَّ بالإسراء إِلَى كريم حَضرته رجلا وَاحِدًا من جَمِيع بريته (الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته) .
الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل خلقه من أرضه وسمائه، فَإِذا رَأَيْت الله خصص وَاحِدًا مِنْهُم فَلَا تسلك سَبِيل عناده أفيضوا بِنَا فِي ذكر الْمُنعم فَمَا مزِيد الْخَيْر إِلَّا فِي شكره، وأعيدوا علينا ذكر اسْمه فَمَا لَذَّة الْعَيْش إِلَّا فِي ذكره.
(فصل)
مَعْنَى التَّسْبِيحِ: التَّنْزِيهُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَبَّحَ نَفْسَهُ عِنْدَ كُلِّ عَظِيمٍ لَمَّا كَانَ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ عَجَائِبِ الأُمُورِ وَمِمَّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُشْرِكُونَ وُجُودَ شَرِيكٍ مَعَهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تمسون وحين تصبحون} وَلَمَّا اخْتَارَ عَائِشَةَ لِنَبِيِّهِ فَقُذِفَتْ سَبَّحَ نَفْسَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِلْمُخْتَارِ إِلا خَيِّرَةً فَقَالَ: {سُبْحَانَكَ هذا بهتان عظيم} وَلَمَّا أَسْرَى بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَذَّبَهُ الْكُفَّارُ سَبَّحَ نَفْسَهُ لأَنَّ قُدْرَتَهُ لا تُعْجَزُ.
وَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَهْلٌ فَقَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} .
وأسرى بِمَعْنَى سَيْرُ عَبْدِهِ. وَيُقَالُ: سَرَيْتُ وَأَسْرَيْتُ، إِذَا سِرْتُ لَيْلا. وَقَدْ جَاءَتِ اللُّغَتَانِ فِي الْقُرْآنِ. قال تعالى: {والليل إذا يسر} .
والمراد بعبده هاهنا: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.