(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) }
في هذه الآية وجوه عدة من التأويل كل منها يبطل الشبهة الداخلة على بعض المبطلين فيها حتى عدلوا بتأويلها عن وجهه وصرفوه عن بابه ..
أولها: إن الإهلاك قد يكون حسنا وقد يكون قبيحا فإذا كان مستحقا أو على سبيل الامتحان كان حسنا وإنما يكون قبيحا إذا كان ظلما فتعلق الإرادة به لا يقتضي تعلقها به على الوجه القبيح ولا ظاهر الآية يقتضي ذلك إذا علمنا بالأدلة تنزيه القديم تعالى عن القبائح علمنا أن الإرادة لم تتعلق إلا بالإهلاك الحسن ..
وقوله تعالى (أمرنا مترفيها) المأمور به محذوف وليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق وإن وقع بعده ويجري هذا مجرى قول القائل أمرته فعصى ودعوته فأبى والمراد إنني أمرته بالطاعة ودعوته إلى الإجابة والقبول ..
ويمكن أن يقال على هذا الوجه ليس موضع الشبهة ما تكلمتم عليه وإنما موضعها أن يقال أي معنى لتقدم الإرادة فإن كانت متعلقة بإهلاك مستحق بغير الفسق المذكور في الآية فلا معنى لقوله تعالى (إذا أردنا أمرنا) لأن أمره بما يأمر به لا يحسن أرادته العقاب المستحق بما تقدم من الأفعال وإن كانت الإرادة متعلقة بالإهلاك بمخالفة الأمر المذكور في الآية فهذا الذي يأبونه لأنه يقتضي أنه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحق ذلك العقاب ..
والجواب عن ذلك إنه تعالى لم يعلق الإرادة إلا بإهلاك مستحق بما تقدم من الذنوب والذي حسن قوله تعالى (وإذا أردنا) أمرنا هو أن يكون الأمر بالطاعة والإيمان إعذارا إلى العصاة وإنذارا لهم وإيجابا وإثباتا للحجة عليهم حتى يكونوا متى خالفوه وأقاموا على العصيان والطغيان بعد تكرار الوعظ والوعيد والإنذار ممن يحق عليه القول وتجب عليه الحجة ويشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ..
والوجه الثاني في تأويل هذه الآية أن يكون قوله تعالى (أمرنا مترفيها) من صفة القرية وصلتها ولا يكون جوابا لقوله تعالى (وإذا أردنا) ويكون تقدير الكلام: وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها. وتكون (إذا) علي هذا الجواب لم يأت لها جواب ظاهر في الآية للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه ..