قوله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة}
يعني الدنيا، والمراد الدار العاجلة؛ فعبّر بالنعت عن المنعوت.
{عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} أي لم نعطه منها إلا ما نشاء ثم نؤاخذه بعمله، وعاقبته دخولُ النار.
{مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} أي مطروداً مبعداً من رحمة الله.
وهذه صفة المنافقين الفاسقين، والمرائين المداجين، يلبِسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يقبل ذلك العمل منهم في الآخرة ولا يُعطون في الدنيا إلا ما قُسم لهم.
وقد تقدّم في"هود"أن هذه الآية تقيّد تلك الآيات المطلقة؛ فتأمْله.
{وَمَنْ أَرَادَ الآخرة} أي الدار الآخرة.
{وسعى لَهَا سَعْيَهَا} أي عمِل لها عملها من الطاعات.
{وَهُوَ مُؤْمِنٌ} لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن.
{فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} أي مقبولاً غير مردود.
وقيل: مضاعَفاً؛ أي تضاعف لهم الحسنات إلى عشر، وإلى سبعين وإلى سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة؛ كما روي"عن أبي هريرة وقد قيل له: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله ليَجْزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة"؟ فقال سمعته يقول:"إن الله ليَجْزِي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة""
قوله تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ}
أعلم أنه يرزق المؤمنين والكافرين.
{وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} أي محبوساً ممنوعاً؛ من حَظَر يَحْظُر حَظْراً وحظاراً.
ثم قال تعالى: {انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} في الرزق والعمل؛ فمن مُقِلٍّ ومكثر.
{وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} أي للمؤمنين؛ فالكافر وإن وُسّع عليه في الدنيا مرة، وقُتّر على المؤمن مَرّة فالآخرة لا تقسم إلا مرة واحدة بأعمالهم؛ فمن فاته شيء منها لم يستدركه فيها.