{أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون} وإنما خص علم المشاهدة ؛ لأن أمثال ذلك لا يعلم إلا به ، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يثبتونه كأنهم قد شاهدوا خلقهم. وأما الخبر فمفقود أيضاً ؛ لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً قطعاً وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم دليل ، وهذا هو المراد من قوله تعالى:
{ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون} أي: فيما زعموا وقوله تعالى:
{أصطفى البنات على البنين} استفهام إنكار واستبعاد ، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء.
فائدة: همزة أصطفى همزة قطع مفتوحة مقطوعة وصلاً وابتداء.
هذا الحكم الفاسد {أفلا تذكرون} أي: أنه تعالى منزه عن ذلك ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتخفيف الذال ، والباقون بالتشديد.
وأما النظر فمفقود من وجهين ؛ الأول: أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب ؛ لأنه تعالى أكمل الموجودات ، والأكمل له اصطفاء الأبناء على البنات يعني: أن إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل ، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولهم باطلاً ، الثاني: أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم وإذا لم يجدوا دليلاً ظهر بطلان مذهبهم وهذا هو المراد بقوله تعالى:
{أم لكم سلطان مبين} أي: حجة واضحة أن لله ولداً.
{فأتوا بكتابكم} أي: التوراة فأروني ذلك فيه {إن كنتم صادقين} أي: في قولكم هذا.