176 -ولما نزل قوله: {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} قالوا استعجالًا، واستهزاء لفرط جهلهم: متى هذا؟ فنزل قوله: {أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176) } والهمزة: للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير؛ أي: أبعد هذا التكرير من الوعيد ينكرون عذابنا، فيستعجلون به.
177 - {فَإِذا نَزَلَ} العذاب الموعود {بِساحَتِهِمْ} ؛ أي: بفنائهم، وقربهم، وحضرتهم، كأنه جيش قد هزمهم، فأناخ بفنائهم بغتة. {فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ} ؛ أي: قبح وبئس صباح الكافرين، الذين أنذروا بعذابنا، وكذبوا به فلم يؤمنوا، والمخصوص بالذم: صباحهم، واللام فيه: للجنس. فإن أفعال المدح والذم تقتضي الشيوع، والإبهام، والتفصيل، فلا يجوز أن تكون للعهد، والصباح: مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثرت منهم الإغارة في الصباح سموها صباحًا وإن وقعت ليلًا.
وقرأ عبد الله: {فبئس} . قال الزجاج: وكان عذاب هؤلاء بالقتل. قيل: المراد به: نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بساحتهم يوم فتح مكة.
وقرأ الجمهور: {نزل} مبنيًا للفاعل.
وقرأ عبد الله بن مسعود على البناء للمفعول، والجار والمجرور قائم مقام الفاعل، وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا خيبر، فلما دخل القرية قال: «الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، قالها ثلاث مرات» . متفق عليه.
178 -ثم كرر سبحانه ذكر ما تقدم، تأكيدًا لوعيد العذاب، فقال: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ} ؛ أي: أعرض عنهم يا محمد {حَتَّى حِينٍ} . وقيل: المراد من الآية الأولى: ذكر أحوالهم في الدنيا، وهذه ذكر أحوالهم في الآخرة. فعلى هذا القول يزول التكرار.
179 - {وَأَبْصِرْ} العذاب إذا نزل بهم {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} ما سيحل بهم من فنون العذاب.