فهرس الكتاب
أي: بل ألكم حجة واضحة على صحة هذا القول الذي قلتموه من أن الملائكة بنات الله؟
إن كانت عندكم هذه الحجة فأتوا بها إن كنتم صادقين فيما زعمتم.
فالمقصود بالآيتين الكريمتين تعجيزهم وإثبات المزيد من جهالاتهم وأكاذيبهم. ثم حكى - سبحانه - زعما آخر من زعمهم في شأن الملائكة فقال: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ.
والمراد بالجنة هنا: الملائكة. سمو بذلك لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين.
أي: أن المشركين لم يكتفوا بما قالوا في الآيات السابقة، بل أضافوا إلى ذلك جريمة أخرى، وهي أنهم جعلوا بين الله - تعالى - وبين الملائكة نسبا، ولقد علمت الجنة، - أي الملائكة - ، «إنهم» أي القائلون لهذه المقالة الباطلة «لمحضرون» أي: إلى العذاب يوم القيامة. ليذوقوا سوء عاقبة كذبهم.
قال القرطبي: أكثر أهل التفسير أن الجنة هاهنا الملائكة. عن مجاهد قال: قالوا - يعني كفار قريش - الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهن؟ قالوا: مخدرات الجن ... ومعنى «نسبا» : مصاهرة. وقال قتادة: قالت اليهود إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهن.
وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه.
ثم نزه - سبحانه - ذاته عما افتروه فقال: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ أي: تنزه الله - تعالى - وتقدس عما يقوله هؤلاء الجاهلون.
وقوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء منقطع من قوله لَمُحْضَرُونَ وما بينهما جملة معترضة لتنزيه الله - تعالى - وتقديسه.
أي: والله لقد علمت الملائكة أن المشركين القائلين بهذا القول الفاسد لمحضرون إلى النار، ويدعّون إليها دعا، لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ليسوا كذلك، بل هم ناجون من عذاب جهنم، لتنزيههم الخالق - عز وجل - عما لا يليق به.
ثم حقر - سبحانه - من شأن المشركين، ومن شأن آلهتهم المزعومة فقال: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ. ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ. إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ.