وبقوله: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} [الصافات: 28] ؛ أي: أضللتمونا عن الدين، يشير إلى أن من كان مؤمناً حقيقياً لا يقدر أحد على إضلاله، ولكن الذين اتخذوا الإيمان بالتقليد لا بالتحقيق فيضلون بإضلال أهل الأهواء والبدع، كما أشار إلى هذا المعنى بقوله: {قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الصافات: 29] ؛ أي: إيمانكم ما كان حقيقياً بل كان تقليدياً، فزال بأدنى شبهة، ويستدلون على هذا المعنى بقولهم {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} [الصافات: 30] ؛ ليزيل إيمانكم عنكم بالقهر والغلبة على قلوبكم، {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} [الصافات: 30] ؛ أي: كان لكم نفوس أمَّارين بالسوء طغت عليكم نفوسكم، وأضلتكم عن سواء السبيل.
ثم أخبر عن إقرارهم بعد إنكارهم بقوله تعالى: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ} [الصافات: 31] يشير إلأى قوله تعالى في الأزل: {كُن} ، وحكم بأمر واحد وهو {كُن} ؛ أي: يكون كل شيء أراده في الأزل وأخبر الله تعالى عن مقتضى قوله: {كُن} في الأزل، وقال: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الصافات: 33] ، كما كانوا في الغواية والضلالة مشتركون.
{إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} [الصافات: 34] ؛ يعني في حكم الأزل بأمر {كُن} ؛ ليكونوا مجرمين ليذوقوا العذاب الأليم، ومن ذلك {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 35] ، ولهذا {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات: 36] فقال تعالى على قصد قوله: {كُن} في الأزل.