فهرس الكتاب
بقوله تعالى: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [الصافات: 58 - 59] يشير إلى أن من مات بالموتة الأولى - وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية الحيوانية - فقد حي بحياة روحانية ربانية لا يموت بعدها أبداً، بل ينقل المؤمن من دار في جوار الحق تعالى، فلا يعذب بنار الهجران وآفة الحرمان، وأذهبت نفحة من نفحات الحق من جناب القدس، أو شم رائحة من نسيم القرب، أو بدت شظية من الحقائق، وتباشير الوصلة جدير أن يقول: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصافات: 60] وبالحري أن يققال: ل {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61] ، بل لمثل هذه الحالة تبذل الأرواح وتفدي الأشباح كما قيل:
عَلى مِثلِ لَيلى يَقتُلُ المَرءُ نَفسَهُ ... وَإِن كُنتُ مِن لَيلى عَلى اليَأسِ طاوِيا
وهاهنا تضيق العبارات وتتقاصر الإشارات.
ثم أردف بعد قصة الأولياء قصة الأعداء، فقال: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: 62 - 65] ، يشير إلى أن من كان هاهنا معاملاته في صفة قبح صفات الشياطين؛ أي: في قبح صورة الشياطين، {فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} [الصافات: 66] ؛ لأنهم كانوا لها في مزرعة الآخرة - أعني: الدنيا - زراعين، {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ} [الصافات: 67] ، ثم أن من جهنم لا إلى الجحيم.