فهرس الكتاب
وبقوله: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} [الصافات: 164] يشير إلى أن للملك مقاماً معلوماً لا يتعدى حده، وهو المقام الملك الروحاني أو الكروبي، والكروبي لا يقدم على مقام الروحاني؛ فلا عبور لهم من مقامهم إلى مقام فوق مقامهم، ولا نزول لهم إلى مقام دون مقامهم، ولهم بهذا فضيلة على إنسان يبقى في أسفل السافلين والدرك الأسفل من النار، وللذين عبروا منهم عن أسفل السافلين بالإيمان والعمل الصالح وصعدوا إلى عليين، بل ساروا إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، بل طاروا إلى منزل أو أدنى فضيلة عليهم؛ ولذها أمروا بسجدة أهل الفضل منهم بقوله: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72] ، فللإنسان أن ينزل من مقام الإنسانية إلى درك الحيوانية، كقوله تعالى: {َأُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف: 179] وله أن يترقى بحيث يعبر عن مقام الملكي، ويقال له: تخلقوا بأخلاق الله، ولو كان من مفاخر الملك أن يقول: وإنا لنحن الصادقين؛ يعين: في الصلاة والعبودية، فإن للإنسان معه شركة في هذا، وللإنسان صفة يحبها الله وليس للملك فيه شركة، وذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] ، وأن يقولوا: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 166] أيضاً للإنسان معهم شركة، ومن مفاخر الإنسان أن يقولوا: وإنا نحن لمحبون وإنا لنحن المحبوبون وهم مخصوصون به في الترقي من مقام المحبية إلى مقام المحبوبية، وبقوله: {وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الصافات: 167 - 170] يشير إلى تنزل الإنسان إلى الدرك الأسفل.