فهرس الكتاب
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي مِنْ الْمُلُوكِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ فَهَذَا قَوْلٌ قَلِيلٌ الْفَائِدَةِ جِدًّا؛ إذْ قَدْ عَلِمَ قَطْعًا وَيَقِينًا هُوَ وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ مَعَهُ أَنَّ الْمُلُوكَ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى ذَلِكَ، لَا بِالسُّؤَالِ، وَلَا مَعَ ابْتِدَاءِ الْعَطَاءِ، وَهُوَ مَعَ مَا بَعْدَهُ أَمْثَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى دَرَجَةٍ مِنْ الزُّهْدِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ لَا مَلِكٌ، فَأَرَادَ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ لَا يُؤْتَى ذَلِكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ فَضْلِهِ لَا يَسْأَلُهُ، لِأَنَّهُ نَبِيٌّ عَبْدٌ، وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ مَلِكٍ، فَحِينَئِذٍ أَقْدَمَ عَلَى السُّؤَالِ، وَهُوَ قَوْلٌ مُتَمَاثِلٌ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُعْطِيهِ بِسُؤَالِهِ، كَمَا غَفَرَ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرْطِ اسْتِغْفَارِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ عِفْرِيتًا تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، وَأَرَدْت أَنْ أَرْبِطَهُ إلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ ذَكَرْت قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] . فَأَرْسَلْته، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَصْبَحَ يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ الْمَدِينَةِ» .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِدُعَائِهِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَذَلِكَ بِإِذْنٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَشْرُوعٌ؛ إذْ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُهُ.
(مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ(69)