{وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] لاحظ أن الرحمة لم تُنسب إلى الإنسان لأنها ليستْ من عمل يده، إنما نُسبت إليه السيئة لأنها نتيجة سَعْيه وجني يديه.
إذن: لا تُنسب السيئة إلى الله لأنها بعملك أنت، فإنْ نسبَتها لله فقد كفرتَ به {فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] كفور لنعمة الله عليه، ومن كفران النعمة أنْ تنسب الأسباب لغير المسبب.
وكفران النعمة وجحودها طَبْع في الإنسان إلا مَنْ رحم الله، فمثلاً يأتيك رجل يطرق بابك لتتوسط له في مصلحة فتقف إلى جواره وتساعده حتى يقضي مصلحته، الحقيقة أن الله هو الذي يقضي ويُيسِّر، وما أنت إلا سبب، وقد صادف تدخلك فيها وقت قضائها. يعني: كانت ستُقضى بدون واسطة.
إذن: شفاعتك لم تأتِ بالمصلحة للغير إنما صادفتْ القبول، العجيب بعد ذلك أنْ تجد الإنسان مُتغطرساً لا يعترف بالجميل لصاحبه وينسبها لنفسه: أنا عملتُ كذا وكنتُ على استعداد لكذا وكذا، لماذا؟ لأن الجميلَ إحسانٌ، والإحسانُ يجعلك ذليلاً لمن أحسن إليك.
أحسِنْ إلَى النّاسِ تستعبِد قُلُوبَهُم ... فَطَالَما اسْتَعْبدَ الإنْسَانَ إحْسَانُ
فمَنْ ينكر الجميل يريد أنْ يتحرر من هذه الذِّلة، وما أشبه مُنكِر الجميل بقارون الذي قال:
{إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ..} [القصص: 78] وقديماً قالوا: اتَّقِ شر مَنْ أحسنتَ إليه، لماذا؟ لأنك تُذكِّره بحال ضعفه وحاجته للمساعدة.
إذن: {فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] أي: للنعمة يحب أنْ ينسبها لنفسه، وفي ذات الوقت يُبعد عنها الشر والسيئة، وكلاهما كُفرانٌ لنعمة الله.
والحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن نعمته يقول:
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] أولاً: استخدام (إنْ) التي تفيد الشك، لأن نِعَم الله من الكثرة بحيث لا تُعَدّ، ولا يُقدِم أحد على عَدِّها لأنك لا تقبل على العَد إلا لشيء مظنة الإحصاء، فلا أحدَ يقول مثلاً: أعد حبَّات الرمال.
كذلك نِعَم الله فوق إمكان العَدِّ والإحصاء، ثم جاء بلفظ {نِعْمَتَ} [إبراهيم: 34] بصيغة المفرد ولم يقل نِعَم، فالنعمة الواحدة لا تُعدُّ، فما بالك بالنِّعَم؟
وهذه الآية
{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] جاءت بهذا اللفظ في موضعين من كتاب الله، واحدة خُتمتْ بقوله تعالى: