{نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} [النور: 35] .
فمعنى
{نُّورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35] يعني: نور الهداية والقيم على نور المادة لتسير في دنياك على هدى وعلى بصيرة، وتسلم من الانحراف والضلال في الدنيا، ثم يُوصِّلك هذا النور إلى سلامة الآخرة والفوز فيها، وهذا مثل {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} [النور: 35] ليوضح لهم ما خَفِي عليهم، فالنور المادي دليل على المعنوي، والمؤمن يرتقي من النور المادي إلى النور المعنوي.
ثم يُبيِّن لنا الحق سبحانه مصدر هذا النور في الآية التي بعدها:
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36] يعني: يا مَنْ أردتَ هذا النور المعنوي فالتمسْه في بيوت الله فهي مصدر إشعاعه، التمسْه في الصلاة وفي ذكر الله وفي تنفيذ المنهج الذي جاءك من الله.
فالقرآن إذن نور عام حين نُوظِّفه يعطينا نوراً آخر هو نور الطاعات والعبادات، وأسْمَى مصدر لهذا النور هو المسجد.
لذلك العلماء لمَّا بحثوا في متعلق الجار والمجرور في
{فِي بُيُوتٍ ..} [النور: 36] قالوا هذا مُتعلِّق بقوله
{نُّورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35] كأنك تقول: نور على نور في بُيوت أذن الله أن تُرفع وهي المساجد. وهذه البيوت متصل فيها تسبيح الصباح بتسبيح المساء، وعُمَّار هذه المساجد يُوصفون بأنهم {رِجَالٌ} [النور: 37] نعم ومَنِ الرجال إذا لم يكن هؤلاء؟
إذن: الحق سبحانه يعطينا النور المعنوي المتمثل في منهجه تعالى بافعل ولا تفعل، وبهذا المنهج تستقيم بالبشر أمور الحياة، لكن سرعان ما يحدث منهم غفلة أو نسيان أو انفلات من هذا المنهج فيقعون في المعصية، وتطرأ عليهم أقضية جديدة ومشاكل بقدر انفلاتهم وما يُحدثون من الفجور ومخالفة المنهج.
لذلك رأينا الرسل جاء الواحد بعد الآخر بمناهج مُترقِّية، كل منهج منها يناسب القوم ويُصلح العلل الموجودة في هذا الوقت، مع أن هذه الشرائع اتحدتْ جميعها في أمور العقائد والأخلاق، وفي ثوابت الدين مثل الصلاة والزكاة، ثم بعد ذلك يأتي الرسول بأحكام خاصة تناسب حال قومه وتعالج أدواءهم.