ثم ذكر سبحانه - أنه لو شاء لانتقم من الكافرين فقال: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي: ولله جنود السماوات والأرض يدبِّر أمرها كيفما يريد، فيسلِّط بعضها على بعض تارة، ويجعل السّلم بينها تارة أخرى حسبما تقتضيه مشيئته، ومن ذلك ما وقع في الحديبية، ولو أرسل علي الكفار ملكا واحدا لأباد خضراءهم ولكنّه - سبحانه - شرع لعباده المؤمنين الجِهاد والقتال ليثيبهم عليه، وكان الله
ولا يزال - محيطا علمه بجميع الأُمور، ذا حكمة بالغة يضع الشيء في موضعه اللائق على مقتضى حكمته.
5 - {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزًا عَظِيمًا} :
أخرج بن جرير وجماعة عن أنس قال: أنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} في مرجعه من الحديبية، فقال:"لقد أُنزلت عليّ آية هي أحب إليّ مما على الأرض"ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئًا مريئا يا رسول الله، قد بيّن الله - تعالى - ذلك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ .... ) حتى بلغ فَوْزًا عَظِيمًا} آلوسي.
وهذه الآية وما بعدها علَّة لما دلّ عليه قوله - تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} من التصرف والتدبير أي: دبّر - سبحانه وتعالى - ما دبر من تسليط المؤمنين ونصرهم على الكافرين، ليعرفوا نعمة الله في ذلك ويشكروها، فيدخلهم ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار دائمين فيها باقين أبدا، ويمحو عنهم سيئاتهم ولا يؤاخذ عليها بل يعفو ويرحم ويصفح ويغفر، وكان ذلك الجزاء عند الله فوزا بالغ العظم؛ لأنه منتهى ما تصبو إليه النفوس، وتهوى الأفئدة.
وذكر المؤمنات في الآية بعد المؤمنين دفعا لتوهم اختصاص الحكم بالذكور، لأن الجهاد والفتح على أيديهم، وهكذا في كل موضع يوهم الاختصاص يصرِّح بذكر النساء.