والزمخشري كلامه محمول على هذا المحمل، ومعاذ الله أن يعتقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحريم ما أحله الله له، وما هذه من الزمخشري إلا جراءة على الله ورسوله؛ تابعه فيها بعض الجهلاء.
الوجه الثاني: الامتناع عما أحله الله عز وجل، وهو المعنى الأصلي لمادة حرم في اللغة.
وقد ورد التحريم بهذا المعنى (الامتناع) في القرآن الكريم في آيات منها:
1 -قوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} (القصص: 12) .
أي منعنا موسى المراضع، أن يرتضع منهن إلا من قِبَلِ أمه.
2 -وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) } [المائدة: 72] أي منعه من دخولها.
3 -وقوله سبحانه: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] أي إلا ما امتنع عنه سيدنا يعقوب - عَلَيْهِ السَّلَام - عنه من قبل نفسه.
والامتناع عما أحله الله قد يكون مؤكدًا باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف، وحلال محض.
وعلى هذا الوجه الثاني تحمل آية التحريم، والتفسير الصحيح، والحديث الصحيح يعضده فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العسل قال: فلن أعود له، وقد حلفت. وفي مارية عندما قالت حفصة، كيف تحرم عليك وهي جاريتك حلف لها لا يقربها.
فالتحريم منه - صلى الله عليه وسلم - كان امتناعًا عن العسل أو مارية، وهو امتناع أكده باليمين، مع اعتقاد حله، ولذا نزلت الآيات.
2 -شبهة: إسرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض أزواجه.
نص الشبهة:
قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) } [التحريم: 3] .
كيف يقول إلى بعض أزواجه، ثم يقول: {فَلَمَّا نَبَّأَتْ} بصيغة المفرد؟