ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
سورة الطلاق
{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ... (1) }
فإن قلت: ما معنى الإخراج وخروجهن؟
قلت: معنى الإخراج أي: لا يخرجهن البعولة غضبًا عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذانًا بأن إذنهم لا أثر له في دفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهم إن أردن ذلك، انتهى. وقيل: المراد: لا يخرجن بأنفسهن إلا إذا أذن لهن الأزواج فلا بأس، والأول أولى.
فإن خرجت المعتدة لغير ضرورة أو حاجة .. أثمت، فإن وقعت ضرورة؛ بأن خافت هدمًا أو حرقًا .. لها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كانت لها حاجة من بيع غزل أو شراء قطن فيجوز لها الخروج نهارًا لا ليلًا، فإن خرجت ليلًا .. أثمت.
{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) }
فإن قلت: إذا كان حكم الله في الرزق لا يتغير، فما معنى التوكل؟
قلت: معناه: أن المتوكل يكون فارغ القلب ساكن الجأش غير كاره لحكم الله، فلهذا كان التوكل محمودًا.
والمعنى: أي ومن يكل أمره إلى الله ويفوض إليه الخلاص منه .. كفاه ما أهمه في دنياه ودينه، والمراد بذلك: أن العبد يأخذ في الأسباب التي جعلها من سننه في هذه الحياة، ويؤديها على أمثل الطرق، ثم يكل أمره إلى الله فيما لا يعلمه من أسباب لا يستطيع الوصول إلى علمها، كتوكل الزارع بعد إلقاء الحب في الأرض. وكان السلف يقولون: اتّجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم .. كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلًا في جماعة جنازة، فقالوا له: اذهب إلى دكانك. وليس المراد أن يلقي الأمور على عواهنها ويترك السعي والعمل ويفوض الأمر إلى الله، فما بهذا أمر الدين؛ بدليل قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"اعقلها وتوكل"إلى نحو ذلك مما هو مستفيض في الكتاب والسنة.