الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ... (7) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ}
يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ لِأَصْحَابِهِمْ {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ {حَتَّى يَنْفَضُّوا}
يَقُولُ: حَتَّى يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يَقُولُ: وَلِلَّهِ جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ وَبِيَدِهِ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ ذَلِكَ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا شَيْئًا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ} أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} قَالَ: لَا تُطْعِمُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ حَتَّى تُصِيبَهُمْ مَجَاعَةٌ، فَيَتْرُكُوا نَبِيَّهُمْ.
عَنْ قَتَادَةَ: وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ الْمُنَافِقِينَ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى يَدَعُوهُ، فَإِنَّكُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ وَأَجْلَوْا عَنْهُ.
[وقَالَ] الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الرِّفْدَ وَالْمَعُونَةَ، وَلَيْسَ يَعْنِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ؛ وَالَّذِينَ قَالُوا هَذَا هُمُ الْمُنَافِقُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ... (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ قَبْلُ {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} فِيهَا، وَيَعْنِي بِالْأَعَزِّ: الْأَشَدَّ وَالْأَقْوَى، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ}
يَعْنِي: الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ {وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} بِاللَّهِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَذُكِرَ أَنَّ سَبَبَ قِيلِ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ.