{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ... (5) }
قَاسَ مَنْ حَمَّلَهُ سُبْحَانَهُ كِتَابَهُ لِيُؤْمِنَ بِهِ وَيَتَدَبَّرَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيَدْعُوَ إلَيْهِ ثُمَّ خَالَفَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ إلَّا عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ، فَقِرَاءَتُهُ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ وَلَا تَفَهُّمٍ وَلَا اتِّبَاعٍ وَلَا تَحْكِيمٍ لَهُ وَعَمَلٍ بِمُوجِبِهِ، كَحِمَارٍ عَلَى ظَهْرِهِ زَامِلَةُ أَسْفَارٍ لَا يَدْرِي مَا فِيهَا، وَحَظُّهُ مِنْهَا حَمْلُهَا عَلَى ظَهْرِهِ لَيْسَ إلَّا؛ فَحَظُّهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَحَظِّ هَذَا الْحِمَارِ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِهِ؛ فَهَذَا الْمَثَلُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ضُرِبَ لِلْيَهُودِ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِمَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ فَتَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ، وَلَمْ يَرْعَهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ.
وقال في (اجتماع الجيوش الإسلامية)
الْغَرَضُ تَشْبِيهُ حَالِ الْيَهُودِ فِي جَهْلِهَا بِمَا مَعَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَآيَاتِهَا الْبَاهِرَةِ بِحَالِ الْحِمَارِ فِي جَهْلِهِ بِمَا يَحْمِلُ مِنْ أَسْفَارِ الْحِكْمَةِ، وَتُسَاوِي الْحَالَتَيْنِ عِنْدَهُ مَنْ حَمَلَ أَسْفَارَ الْحِكْمَةِ وَحَمَلَ مَا سِوَاهَا مِنَ الْأَوْقَارِ وَلَا يَشْعُرُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِمَا يَمُرُّ بِدُفَّيْهِ مِنَ الْكَدِّ وَالتَّعَبِ.
(فصل)
قال في (هداية الحيارى)
وَمِنْ جَهْلِهِمْ [اليهود] أَنَّ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا مَاتَ وَدَفَنَهُ مُوسَى قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، حَسَدْتَهُ عَلَى خُلُقِهِ وَلِينِهِ مِنْ مَحَبَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ، قَالَ: فَاخْتَارُوا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَوَقَفُوا عَلَى قَبْرِ هَارُونَ، فَقَالَ مُوسَى: يَا هَارُونُ، أَقُتِلْتَ أَمْ مُتَّ؟ فَقَالَ: بَلْ مُتُّ وَمَا قَتَلَنِي أَحَدٌ.
فَحَسْبُكَ مِنْ جَهَالَةِ أُمَّةٍ وَجَفَائِهِمْ أَنَّهُمُ اتَّهَمُوا نَبِيَّهُمْ وَنَسَبُوهُ إِلَى قَتْلِ أَخِيهِ، فَقَالَ مُوسَى: مَا قَتَلْتُهُ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ كَلَامَهُ وَبَرَّأَهُ أَخُوهُ مِمَّا رَمَوْهُ بِهِ.