{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) }
(فصل)
وقد تظاهرت آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب في الجهاد والحض عليه ومدح أهله والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكَمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف: 10]
فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي الدال عليها رب العالمين العليم الحكيم فقال: {تُؤْمِنُون بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفَسِكُمْ} [الصف: 11]
فكأن النفوس ضنت بحياتها وبقائها فقال: {ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يعني أن الجهاد خير لكم من قعودكم للحياة والسلامة، فكأنها قالت: فما لنا في الجهاد من الحظ؟ فقال: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ} ، مع المغفرة: {يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنِ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 12] ، فكأنها قالت: هذا في الآخرة فما لنا في الدنيا؟ فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 13] .
فلله ما أحلى هذه الألفاظ، وما ألصقها بالقلوب، وما أعظمها جذباً لها وتسييراً إلى ربها، وما ألطف موقعها من قلب كل محب، وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها، فنسأل الله من فضله إنه جواد كريم. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...