ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
سورة الجمعة
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}
والحكمة في اقتصاره على الأميين، مع أنه رسول الله إلى كافة الخلق، تشريف العرب حيث أضيف إليهم.
قوله: {رَسُولاً مِّنْهُمْ} أي من جملتهم ومن نسبتهم، فما من حي من العرب، إلا وله فيهم قرابة، ولهم عليه ولادة، إلا بني تغلب، فإن الله طهره منهم لنصرانيتهم كما قاله ابن إسحاق، والحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم أمياً مثلهم، لكونه في كتب الأنبياء منعوتاً بذلك، وأيضاً لدفع توهم الاستعانة بالكتابة، على ما أتي به من الوحي، ليكون حاله مماثلة لحال أمته الذين بعث فيهم، فيكون أقرب إلى صدقه، وأبعد من التهم، لكن وصف الأمية كمال حقه، نقص في حق غيره.
{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
قوله: {لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} أي في السبق إلى الإسلام والشرف، وهذا النافي مستمر دائماً، لأن الصحابة لا يلحقهم ولا يساويهم في فضلهم أحد ممن بعدهم، ولذا فسر (لما) بـ (لم) وذلك لأن منفي (لم) أعم من كونه متوقع الحصول أو لا، بخلاف {لَمَّا} فمنفيها متوقع الحصول وليس مراداً.
قوله: (والاقتصار عليهم) أي على التابعين في تفسير الآخرين، وهو جواب عما يقال: ما حكمة الاقتصار على التابعين الذين هم أفضل ممن بعدهم، لزم منهم تفضيلهم على جميع الناس إلى يوم القيامة، لأن كل قرن خير مما يليه.
قوله: {وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً}
أتى به ثانية، إعلاماً بأن ذكر الله مأمور به في سائر الأحوال لا في خصوص الصلاة.
{قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}
قوله: {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ} الخ، أي قل لهم تأديباً وزجراً لهم عن العود لمثل هذا الفعل.
قوله: (من الثواب) بيان لما، والمراد به الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: {خَيْرُ} اسم التفضيل باعتبار أن في اللهو والتجارة لذة دنيوية.
قوله: (يقال كل إنسان) الخ، أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل على بابه، فالرازقون متعددون لكن على سبيل المجاز، وإلا فالرازق حقيقة هو الله وحده.
قوله: (عائلته) أي عياله.
قوله: (أي من رزق الله) تصحيح لهذا القول المذكور، والمعنى: ليس المراد به أن كل إنسان يرزق عائلته بالاستقلال وبحوله وقوته، بل من رزق الله تعالى يجري على يديه. انتهى انتهى {حاشية الصاوي على الجلالين} ...