(فصل: الْعِزّ فِي النَّفس أصل مرض الْقُلُوب)
قال الحارث المحاسبي:
وَحب الْعِزّ أصل وَمِنْه مخرج حب الرِّئَاسَة والجاه عِنْد النَّاس وَمِنْه الْكبر وَالْفَخْر وَمِنْه الْغَضَب والحسد وَمِنْه الحقد وَالْحمية والعصبية وَالنَّفس عاشقة لَهُ وَهُوَ قُرَّة عينهَا وَهُوَ أحب إليها من أم وَاحِد لواحدها
وَبَلغنِي أنه آخر مَا يبْقى فِي قُلُوب تاركي الدُّنْيَا للآخرة وَذَلِكَ لصعوبة تمكنه من النَّفس
فَالْعَمَل الصَّالح من غير المريد المستحكم من أهل الْقِرَاءَة سلاحه الَّذِي يقوى بِهِ سُلْطَانه هُوَ الْعِزّ فِي النَّفس وَالْفَخْر بِالْعَمَلِ والإزراء على النَّاس
وَقد رَأينَا من يعْمل أعمال الصَّالِحين من الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالصَّدَقَة وَالْحج وَالْجهَاد وعزه فِي نَفسه زَائِد نعم وَقد رَأينَا من يتواضع لطمع زِيَادَة فِي الْعِزّ
وَلَا أعْلَم أَنِّي رَأَيْت أحدا من أهل النّسك خَالِيا مِنْهُ يَعْنِي من الْعِزّ
فَإِن كَانَ يجد بَقَاء حلاوة طعمه لم يفلح مَعهَا عابدا كَانَ أوْ زاهدا
وَكَيف يكون زاهدا والزهد لَا يأوي مَعَه فِي مأوى وَاحِد
فَمن عالج نفي الْعِزّ من نَفسه ووفقه الله لذَلِك فنال نَفْيه سهل عَلَيْهِ الْمسير فِي طَريقَة محبَّة الله عز وَجل ومحجة الإيمان وسبيل الاسْتقَامَة ومدارج الصَّالِحين وَهَان عَلَيْهِ معالجة الصدْق فِي عمله واطمأنت نَفسه إلى التذلل والتواضع وطاب لَهُ طَرِيق الْعدْل
لأنه لَا يقدر أن يحب للنَّاس مَا يحب لنَفسِهِ وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على كظم الغيظ وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على قبُول الْحق وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على التَّوَاضُع الَّذِي هُوَ شرف التَّقْوَى وحليتها وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر أن يَدُوم على الصدْق وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على ترك الْحَسَد وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على ترك الحقد وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على ترك العصبية وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على سَلامَة الْقلب وَفِيه الْعِزّ وَلَا يقدر على النصح وَفِيه الْعِزّ وَلَا يسلم من الإزراء على النَّاس وَفِيه الْعِزّ
فَمَا أكثر ضَرَره وأعظم فَسَاده وأظهر أمره وأقل رشده وأبين غيه عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَمَا أغفل النَّاس عَنهُ وأقل معرفتهم بِهِ وأشد متابعتهم لَهُ