(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ... (14) }
(الحزم كتمان الحب والبغض)
من أراد اصطفاء محبوب؛ فالمحبوب نوعان: امرأة يقصد منها حسن الصورة، وصديق يقصد منه حسن المعنى.
فإذا أعجبتك صورة امرأة فتأمل خلالها الباطنة مديدة قبل أن يتعلق القلب بها تعلقاً محكماً، فإن رأيتها كما تحب - وأصل ذلك كله الدين كما قال: عليك بذات الدين - فمل إليها واستولدها.
وكن في ميلك معتدلاً، فإنه من الغلط أن تظهر لمحبوبك المحبة، فإنه يشتط عليك، وتلقى منه الأذى والتجني والهجران والإذلال وطلب الإنفاق الكثير - وإن كانت تحبك - لأن هذا إنما يجتلبه حب الإدلال والتسلط على المقهور.
وثم نكتة عجيبة، وهو أنك ربما عملت بمقتضى الحال الحاضرة، وهي تحكم بكمال الحب، ثم إن ذلك لا يثبت إليك فتقع وتبقى مقهوراً أو يصعب عليك الخلاص.
وربما تمكنت منك بمعرفة سرك أو بأخذ كثير من مالك.
ومن أحسن ما بلغني في هذا أن جارية لبعض الخلفاء كانت تحبه حباً شديداً، ولا تظهر له ذلك، فسألت عن هذا فقالت: لو أظهرت ما عندي فجفاني هلكت، قال الشاعر:
لا تظهرن مودة لحبيب ... فتى بعينك منه كل عجيبِ
أظهرت يوماً للحبيب مودتي ... فأخذت من هجرانه بنصيبي
وكذا ينبغي أن تكتم بعض حبك للولد، لأنه يتسلط عليك، ويضيع مالك، ويبالغ في الإدلال، ويمتنع عن التعلم والتأدب.
وكذلك إذا اصطفيت صديقاً وخبرته، فلا تخبره بكل ما عندك، بل تعاهده بالإحسان كما تتعاهد الشجرة، فإنها إذا كانت جيدة الأصل حسنت ثمرتها بالتعاهد، ثم كن منه على حذر فقد تتغير الأحوال، وقد قيل:
احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أدرى بالمضرة
(فصل السلوك مع البغيض)
وأما إذا أبغضت شخصاً لأنه يسوءك فلا تظهرن ذلك، فإنك تنبهه على أخذ الحذر منك، وتدعوه إلى المبارزة، فيبالغ في حربك والاحتيال عليك، بل ينبغي أن تظهر له الجميل إن قدرت، وتبره ما استطعت حتى تنكسر معاداته بالحياء من بغضك.
فإن لم تطق فهجر جميل، لأتبين فيه ما يؤذي.
ومتى سمعت منه كلمة قذعة فاجعل جوابها كلمة جميلة، فهي أقوى في كف لسانه.
وكذلك جميع ما يخاف إظهاره، فلا تتكلمن به، فربما وقعت كلمة أسقطت بها عز السلطان، فنقلت إليه، فكانت سبب هلاكك.