ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
سورة التغابن
{وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}
قوله: (إذ جعل شكل الآدمي أحسن الأشكال) أي فجعل رأسه لأعلى، ورجليه لأسفل، وذراعيه في جنبيه، وجعله منتصب القامة.
«إن قلت» : قد يوجد كثير من الناس مشوه الخلق؟
أجيب: بأن التشويه بالنسبة لأبناء جنسه، لا بالنسبة لصور البهائم مثلاً، إذ لو قابلت بين الصورة المشوهة، وبين صورة الغزال، لرأيت صورة البشر المشوهة أحسن.
{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}
قوله: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الخ، الحكمة في عدم تكرير الموصول هنا، وقد كرره في قوله: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [التغابن: 1] وفي قوله: {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} أن تسبيح ما في السماوات مغاير لتسبيح ما في الأرض، وكذا ما يسرونه مغاير لما يعلنونه لأن المقصود منه تخويف المكلفين، لا ثبوت إحاطة العلم فكرر الموصول لذلك، ولما كان المقصود من قوله: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ثبوت إحاطة العلم بذلك، لم يكرر الموصول.
قوله: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}
أي ابتلاء واختبار من الله لكم، وهو أعلم بما في نفوسكم منكم، لكن ليظهر في عالم الشهادة من يشغله ذلك عن الحق، فيكون عليه نقمة ممن لا يشغله، فيكون عليه نعمة، وقدم المال لأن فتنته أشد، ويكفي في فتنته قصة ثعلبة بن حاطب النازل فيه قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ} [التوبة: 75] الآية، قال الحسن: أدخل {مِنْ} التي للتبعيض في قوله: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} الخ، لأنهم كلهم ليسوا بأعداء بل البعض منهم، ولم يدخلها في قوله: {إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ} الخ لأنهما لا يخلون من الفتنة واشتغال القلب بهما، فمن رجع إلى الله تعالى، ولم يلتفت إلى ماله وولده وجاهد نفسه فقد فاز، ومن تتبع الشغل بالمال والولد وافتتن بهما فقد هلك.
{إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}
سماه قرضاً ترغيباً في الصدقة، حيث جعلها قرضاً لله، مع أن العبد إنما يقرض نفسه لأن النفع عائد عليه، وفيه تنزيل من الله تعالى لعباده، حيث أعطاهم المال، وأمرهم بالإنفاق منه، وسمى إنفاقهم قرضاً له، فمن إحسانه عليك خلق ونسب إليك، وهذا الخطاب يعم الأغنياء والفقراء، فالأغنياء مخاطبون بالإقراض في بذل أموالهم وأنفسهم، والفقراء مخاطبون بالإقراض في بذل أنفسهم، فهو تعليم لهم الإخلاص في أعمالهم. انتهى انتهى {حاشية الصاوي على الجلالين} ...