(فصل)
قال الخطابي:
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَمِنْ مَنَاقِبِ الْعُزْلَةِ أَنَّهَا تَحْسِمُ عَنْكَ أَوْهَامَ الْمُتَجَنِّينَ وَتَقْطَعُ مَوَادَّ شِكَايَاتِ الْمُتَجَرِّمِينَ. وَذَلِكَ أَنَّ طِبَاعَ النَّاسِ مُتَفَاوِتَةٌ مُتَعَادِيَةٌ وَهِمَمُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ وَوَسَاوِسُ صُدُورِهِمْ كَثِيرَةٌ وَإِنَّ سُوءَ ضَمَائِرِهِمْ يُصَوِّرُ لَهُمْ وَيُوحِي إِلَى قُلُوبِهِمْ أَنَّ اجْتِمَاعَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ وَتَنَاجِي كُلِّ شِرْذِمَةٍ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ وَالْبَحْثِ عَنْ عُيُوبِهِمْ أَوْ فِي تَبْيِيتِ رَأْي وَدَسِيسِ غَائِلَةٍ عَلَيْهِمْ وَيَغْلِبُ هَذَا الظَّنُّ خُصُوصًا عَلَى مَنْ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِتُهْمَةٍ وَيُعْرَفْ عِنْدَ النَّاسِ بِرِيبَةٍ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُنَافِقِينَ بِذَلِكَ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْمُتَنَبِّي فِي أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ حَيْنَ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عِدَاتِهِ ... وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ