إعراب سُورَة التَغَابُنِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ} ابتداء وخبر، أي: ذلك العذاب بسبب أنه، والضمير ضمير الشأن أو الحديث.
وقوله: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} ابتداء وخبر، وجُمع الخبر حملًا على معنى {أَبَشَرٌ} ؛ لأنه هنا بمعنى الجمع، والبشر يقع على الواحد والجمع، نحو: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ، {مَا هَذَا بَشَرًا} ، {أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ} .
وقيل: رفعه بإضمار فعل يدلُّ عليه ما بعده، أي: أيهدينا بشر؟ والاستفهام بمعنى الإنكار.
قال أبو محمد: وقد أجاز النحويون: رأيت ثلاثة نفر، وثلاثة رهط حملًا على المعنى، ولم يجيزوا رأيت ثلاثة قوم، ولا ثلاثة بشر، والفرق بينهما أن نفرًا ورهطًا لما دون العشرة من العدد، فأضيف ما دون العشرة من العدد إليه إذ هو نظيره، وقوم قد يقع لما فوق العشرة، فلم يحسن إضافة ما دون العشرة من العدد إلى ما فوقها، وأما بشر فيقع للواحد، فلم يمكن إضافة عدد إلى واحد، انتهى كلامه.
{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} قيل: {زَعَمَ} بمعنى كذب بلغة حمير. وقيل: زعم بمعنى ظن. وقيل: زعم: قال قولًا غير موثوق به. وزعم: ادعى.
و {أَن} مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، أي: أنهم. و {زَعَمَ} يتعدى إلى مفعولين كما يتعدى العِلْم، وأن مع ما في حيزه سد مسدهما.
وقوله: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ} يجوز أن يكون ظرفًا لقوله: {لَتُبْعَثُنَّ} أو لقوله:
{لَتُنَبَّؤُنَّ} أو لقوله: {خَبِيرٌ} لما فيه من معنى التهديد والوعيد، كأنه قيل: والله معاقبهم، قاله الزمخشري. وأن يكون مفعولًا به بإضمار اذكر، فيحسن الوقوف على هذا على {خَبِيرٌ} .
وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} (خالدين) حال من الهاء في {يُدْخِلْهُ} . ووحد أولًا حملًا على لفظ (مَن) ثم جمع على معناه. و {أَبَدًا} نصب على الظرف، وكذا {خَالِدِينَ} الثاني نصب على الحال من {أَصْحَابُ} ، والعامل فيها ما في {أُولَئِكَ} من معنى الفعل.
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} (يهد) مجزوم على جواب الشرط، والجمهور على الياء النقط من تحته، والمنوي فيه لله عزَّ وجلَّ، وقرئ: (نَهْدِ) بالنون، وكلاهما يرجع إلى معنىً واحدٍ، وقرئ: (يهدَأْ) بفتح الدال وبعدها همزة ساكنة ورفع (قلبه) على معنى: يطمئن قلبه، يقال: هَدَأ فلانٌ يَهْدَأ بفتح العين في الماضي والغابر هَدْءًا وهدوءًا، إذا
سكن. و (يهْدَ) بفتح الدال، والأصل: يَهْدَأ، ثم يهدا، ثم يَهْدَ، كقولهم: لَمْ يَقْرَ فلان القرآن، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض. و (يهدا) على التخفيف، و (يهدّ قلبه) بمعنى يهتد. و (يُهْد) بضم الياء وفتح الدال على البناء للمفعول ورفع القلب ونصبه، أما رفعه فظاهر، وأما نصبه فكقوله عز وجلَّ: {سَفِهَ نَفْسَهُ} على مذهب أبي الحسن، لأنه قال معناه: سفه في نفسه، فلما سقط حرف الجر نصب ما بعده، كقوله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} أي: على عقدة النِّكَاح، والمعنى: يُهد إلى قلبه.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ} انتصاب {خَيْرًا} عند صاحب الكتاب بمضمر يدلُّ عليه {أَنْفِقُوا} ، أي: وأتوا خيرًا لأنفسكم، وذلك أنه لما قال: وأنفقوا، دل على أنَّه أمرهم أن يأتوا فعل خير.
وهو عند الكسائي والفراء نعت لمصدر محذوف، أي: أنفقوا إنفاقًا خيرًا لأنفسكم. وهو عند أبي عبيدة: خبر (كان) مضمرة، أي: أنفقوا يكن خيرًا لأنفسكم. ومن جعل الخيرَ المالَ كقوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} فهو منصوب بأنفقوا مفعول به.
وقوله: {يُضَاعِفْهُ} جواب الشرط، و (يغفر) عطف عليه، ويجوز نصبه على الظرف، ورفعه على القطع والاستئناف، ولا يجوز القراءة به لأنَّ القراءة سنة متبعة، وإنما ذكرته ليعرف المعرِبُ وجوهَ الإعراب، والله تعالى أعلم بكتابه.
هذا آخر إعراب سورة التغابن
والحمد لله وحده. انتهى انتهى {الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد، للمنتجب الهمذاني. 6/} ...