(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
قالوا: وممّا ورد أيضا ملحونا خطأ لا يجوز ما أثبتوه في مصحفهم من قوله في المنافقين: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}
وموضعه نصب وإنّما هو فأكون بإثبات الواو لا غير ذلك.
فإنّه يقال لهم: ليس الأمر على ما قدّرتم، بل الوجهان جميعا جائزان سائغان، وقد قرأ السّلف الآية على الوجهين، فقرأ بعضهم: «وأكن» مجزوما، وقرأ منهم: «فأكون» منصوبا بإثبات الواو، ولكلّ من ذلك وجه، وقد اشتهر عنهم قراءة الوجهين جميعا، فقرأ أبيّ وعبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة: «وأكون» بإثبات الواو، وروى ابن مجاهد عن أحمد بن الحسن قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا شجاع بن أبي نصر عن عيسى بن عمر الثقفيّ: «أنّ أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة كانوا يقرءون. «فأصّدّق وأكون» ، وروى أيضا ابن مجاهد عن شجاع بن أبي نصر عن حمزة الزّيات عن الأعمش عن أصحاب عبد الله بن مسعود الذي قرأ عليهم الأعمش عن عبد الله بن مسعود أنّه كان يقرأ: «فأصّدّق وأكون» ، وهذه القراءة هي قراءة ابن محيص وأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثّقفيّ، وكلّ هذه الأخبار والرّوايات، وعمل القرّاء بذلك وتجويزهم له، أوضح دليل على جواز القراءة بهذا الوجه، أعني النّصب لجوازها بالجزم، لأنّ مثل هذا الحذف المثبت في المصحف على خلاف الوجه الأشهر الظاهر يحرك دواعي القوم وهممهم عن البحث عنه، والسؤال عمّا لأجله ثبت في الإمام بخلاف الوجه الأظهر، وكيف سبيله والمخرج عنه، وكيف هو في قراءة عبد الله وأبيّ وغيرهما من القرّاء المشهورين المنتصبين لإقراء القرآن، ولا يجوز في مستقرّ العادة وما ركّبت عليه الطباع إهمال الأمّة لذلك، وذهاب أهل القرآن عن البحث عن ذلك، والسؤال عن قراءة في حرف كلّ مشهور بالقراءة، ومعروف بالأخذ عنه، ولو كشف لهم البحث والسّؤال عن أنّه مقروءا في كلّ حرف وعند كلّ قارئ على وجه واحد لا يسوغ غيره، لتوفّرت هممهم ودواعيهم على نقل ذلك عن كافتهم، واشتهاره ولارتفع الخلاف فيه، ولم يخف عليهم إجماع القرّاء عليه والمضيّ على ذلك الخلف بعدهم والمتبعون لهم.