فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 449409 من 466147

(فصل: في المواعظ والرقائق)

قال ابن الجوزي:

{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) }

من نزلت به بلية، فأراد تمحيقها، فليتصورها أكثر مما هي تهن.

وليتخيل ثوابها وليتوهم نزول أعظم منها، ير الربح في الاقتصار عليها.

وليتلمح سرعة زوالها، فإنه لولا كرب الشدة، ما رجيت ساعات الراحة.

وليعلم أن مدة مقامها عنده، كمدة مقام الضيف يتفقد حوائجه في كل لحظة، فيا سرعة انقضاء مقامه، ويا لذة مدائحه وبشره في المحافل، ووصف المضيف بالكرم.

فكذلك المؤمن في الشدة، ينبغي أن يراعي الساعات، ويتفقد فيها أحوال النفس، ويتلمح الجوارح، مخافة أن يبدو من اللسان كلمة، أو من القلب تسخط، فكأن قد لاح فجر الأجر، فانجاب ليل البلاء، ومدح الساري بقطع الدجى، فما طلعت شمس الجزاء، إلا وقد وصل إلى منزل السلامة.

(فصل لا تسبوا الدهر)

ما رأت عيني مصيبة نزلت بالخلق أعظم من سبهم للزمان وعيبهم للدهر.

وقد كان هذا في الجاهلية، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:"لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر".

ومعناه أنتم تسبون من فرق شملكم وأمات أهاليكم، وتنسبونه إلى الدهر، والله تعالى هو الفاعل لذلك.

فتعجبت كيف علم أهل الأسقام بهذه الحال، وهم على ما كان أهل الجاهلية عليه ما يتغيرون حتى ربما اجتمع الفطناء الأدباء الظراف على زعمهم فلم يكن لهم شغل إلا ذم الدهر.

وربما جعلوا الله الدنيا، ويقولون: فعلتْ وصنعتْ وحتى رأيت لأبي القاسم الحريري يقول:

ولما تعامى الدهر وهو أبو الردى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده

تعاميت حتى قيل إني أخو عمي ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده

وقد رأيت خلقاً يعتقدون أنهم فقهاء وفهماء ولا يتحاشون من هذا.

وهؤلاء إن أرادوا بالدهر مرور الزمان، فذاك لا اختيار له ولا مراد ولا يعرف رشداً من ضلال، ولا ينبغي أن يلام.

فإنه زمان مدبر لا مدبر، فيتصرف فيه ولا يتصرف بأحد.

وما يظن بعاقل أن يشير إلى أن هذا المذموم المعرض عن الرشد السيء الحكم هو الزمان.

فلم يبق إلا أن القوم خرجوا عن ربقة الإسلام، ونسبوا هذه القبائح إلى الصانع، فاعتقدوا فيه قصور الحكمة وفعل ما لا يصح، كما اعتقده إبليس في تفضيل آدم.

وهؤلاء لا ينفعهم مع هذا الزيغ اعتقاد إسلام، ولا فعل صلاة.

بل هم شر من الكفار، لا أصلح الله لهم شأناً ولا هداهم إلى رشاد. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت