ومن لطائف ونكات تفسير الزمخشري:
سورة التغابن
(خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(3)
«فإن قلت» : كيف أحسن صورهم؟
قلت: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب، كما قال عز وجل (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) .
«فإن قلت» : فكم من دميم مشوّه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟
قلت: لا سماجة ثَمَّ ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفي «1» عليها لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه.
ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها وتهالكك عليها.
وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان.
(1) قوله «وإضافتها إلى الموفي عليها» يعني إلى المتفوق عليها من الصور.