(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) }
(تزين أعمالاً خواتيمها ... فإنك وَزَيِّنْ عَمَلا بِالْخِتَامْ)
(أَفْضَلُ مَا زُوِّدْتَ زَادُ التُّقَى ... وَشَرُّ مَا تَحْمِلُ زَادُ الأَثَامْ)
(وَالْجِسْمُ يُنْسِيهِ الْبِلَى فِي الثَّرَى ... مَا كَانَ عَانَى مِنْ خُطُوبٍ جِسَامْ)
(أُخَاصِمُ الْقَلْبَ لإِعْرَاضِهِ ... عَنِ الْهُدَى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامْ)
(وَيَحْطِمُ السِّنُّ أَخَا كَثْرَةٍ ... وَهَمُّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحُطَامْ)
(كَانَ عُمْرِي مَرْكِبٌ سَارَ بِي ... حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْحِينُ قَامْ)
(سَهِّدْ هَذَا الْخَلْقَ فِي شَأْنِهِمْ ... تَمَّتْ لأَقْوَامٍ أَنَامُوا الأَنَامْ)
لَيَأْتِيَنَّكَ مِنَ الْمَوْتِ مَا لا يَقْبَلُ رِشْوَةً وَمَالا, إِذَا مَالَ عَلَى الْقَوْمِ وَالْقَوِيمِ مَالا,
يَا مُخْتَارَ الْهَوَى جَهْلا وَضَلالا, لَقَدْ حَمَّلْتَ أَزْرَكَ أَوْزَارًا ثِقَالا, إِيَّاكَ وَالْمُنَى فَكَمْ وَعَدَ الْمُنَى مُحَالا, كَمْ قَالَ الطَّالِبُ نَعَمْ نَعَمْ سَأُعْطِي نَوَالا ثُمَّ نَوَالا, كَمْ سقا من الحسرات كؤوساً, وَفَرَّغَ رَبْعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَأْنُوسًا, وَطَمَسَ بِهَوْلِهِ بُدُورًا وَشُمُوسًا, وَأَغْمَضَ عُيُونًا وَنَكَّسَ رُءُوسًا, وَأَبْدَلَ التُّرَابَ عَنِ الثِّيَابِ مَلْبُوسًا:
(إِذَا كَانَ مَا فِيهِ الْفَتَى عَنْهُ زَائِلا ... فَسِيَانٌ فِيهِ أَدْرَكَ الْحَظَّ أَوْ أَخْطَا)
(وَلَيْسَ يفي يوماً سرور وَغِبْطَةً ... بِحُزْنٍ إِذَا الْمُعْطِي اسْتَرَدَّ الَّذِي أَعْطَى)
لَقَدْ وَعَظَ الزَّمَنُ بِالآفَاتِ وَالْمِحَنِ, لَقَدْ حَدَّثَ مَنْ لَمْ يُظْعِنْ بِالظَّعْنِ, وَخَوَّفَ الْمُطْلَقَ بِالْمُرْتَهَنِ, تَاللَّهِ لَوْ صَفَتِ الْفِطَنُ لأَبْصَرَتْ مَا بَطَنَ.
إِخْوَانِي: أَمْرُ الْمَوْتِ قَدْ عَلَنَ, كَمْ طَحْطَحَ الرَّدَى وَكَمْ طَحَنَ, يَا بَائِعًا لِلْيَقِينِ مُشْتَرِيًا لِلظِّنَنِ, يَا مُؤْثِرًا الرَّذَائِلَ فِي اخْتِيَارِ الْفِتَنِ, إِنَّ السُّرُورَ وَالشُّرُورَ فِي قَرَنٍ.
(أَجَلُّ هِبَاتِ الدهر ترك المواهب ... تمد لِمَا أَعْطَاكَ رَاحَةَ نَاهِبِ)