سورة الممتحنة
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ}
تبدأ السورة بذلك النداء الودود الموحي: يا أيها الذين آمنوا. . نداء من ربهم الذي آمنوا به , يدعوهم باسم الإيمان الذي ينسبهم إليه. يدعوهم ليبصرهم بحقائق موقفهم , ويحذرهم حبائل أعدائهم , ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عاتقهم.
وفي مودة يجعل عدوهم عدوه , وعدوه عدوهم:
(لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) . .
فيشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه. يعاديهم من يعاديه. فهم رجاله المنتسبون إليه الذين يحملون شارته في هذه الأرض , وهم أوداؤه وأحباؤه. فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه.
ويذكرهم بجريرة هؤلاء الأعداء عليهم وعلى دينهم وعلى رسولهم , وعدوانهم على هذا كله في تجن وظلم:
(وقد كفروا بما جاءكم من الحق. يخرجون الرسول وإياكم. أن تؤمنوا بالله ربكم) . .
فماذا أبقوا بعد هذه الجرائر الظالمة للموالاة والمودة ? كفروا بالحق. وأخرجوا الرسول والمؤمنين , لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله ربهم ? إنه يهيج في قلوب المؤمنين هذه الذكريات المرتبطة بعقيدتهم. وهي التي حاربهم المشركون من أجلها , لا من أجل أي سبب آخر. ويبرز القضية التي عليها الخلاف والخصومة والحرب. فهي قضية العقيدة دون سواها. قضية الحق الذي كفروا به والرسول الذي أخرجوه , والإيمان الذي من أجله أخرجوهم.
وإذا تمحضت القضية هكذا وبرزت , ذكرهم بأنه لا محل إذن للمودة بينهم وبين المشركين إن كانوا قد خرجوا من ديارهم ابتغاء رضوان الله وجهادا في سبيله:
إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وإبتغاء مرضاتي. .
فما يجتمع في قلب واحد أن يهاجر جهادا في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله , مع مودة لمن أخرجه من أجل إيمانه بالله , وهو عدو الله وعدو رسول الله!