فهرس الكتاب

الصفحة 962 من 1125

جاء في الكتاب الكريم سبّح ويسبّح وسبّح ، ويقال: سبّحته وسبّحت له كما يقال: نصحته ونصحت له ، وتسبيح العقلاء أن يقولوا ما يدل على تنزيهه من كل نقص ،

وإبعاده عما لا يليق به من صفات المحدثات ، كإثبات شريك له أو ندّ ، وكون الملائكة بنات له ، وكون عيسى ابنا له ، وتسبيح غيرهم دلالة وجوده على عظم خالقه ، وانقياده له في كل آن.

وما مثل هذا إلا مثل إشارتك لصاحبك على وضع خاص يفهم منها تأنّ واصبر ، وإشارتك له على هيئة أخرى يفهم منها أنك لا تفعل هذا.

فهذه الدلالة في الحالين أفهمت صاحبك إفهاما كإفهام الكلام ، بل أقوى وأبلغ أثرا ، وكم للانسان في حركاته من معان يفهمها الآخرون بطريق لا لبس فيها.

وإذا كان هذا حال الإنسان المحدود العلم والإدراك ، فما بالك بما أطلعنا اللّه عليه من بدائع القدرة والعلم والحكمة ، وقد فهمنا منها ما لا نفهم بالقول ، فلو أنك وقفت في الخلوات ، وراقبت المزارع والجنات ، والأشجار مترنحات ، وأنواع الكلأ متحركات ، والأوراق تغنّى بموزون الأصوات ، وقد أرخى الليل سدوله ، وأرسل من الخافقين جحافل جنوده ، تلمع من بينها الكواكب ، فتضىء من بينها السباسب لتجلت لك العبر ، وقرأت علوم المبتدإ والخبر ، ولعلمت أنها تحت قبضة ذى الملك والملكوت ، الحي الذي لا يموت ، الفرد الصمد ، المنزّه عن الصاحبة والولد ، سبّوح قدوس ، رب الملائكة والروح.

العزيز: أي الذي لا ينازعه في ملكه شىء ، الحكيم: أي الذي يفعل أفعاله وفق الحكمة والصواب ، يحيى ويميت: أي يحيى النطف فيجعلها أشخاصا عقلاء فاهمين ناطقين ، ويميت الأحياء ، وهو على كل من الإحياء والإماتة قدير ، وهو الأول: أي السابق على سائر الموجودات ، والآخر: أي الباقي بعد فنائها ، والظاهر والباطن: أي وهو الذي ظهرت دلائل وجوده وتكاثرت ، وخفيت عنا ذاته فلم ترها العيون ، فهو ظاهر بآثاره وأفعاله ، وباطن بذاته ، ومشرق بجماله وكماله ، وهو ظاهر بغلبته على مخلوقاته وتسخيرها لإرادته وباطن بعلمه بما خفى منها ، فلا تخفى عليه خافية ، والمراد بستة الأيام ستة الأطوار ، كما تقدم ذلك في سورة الأعراف ، والاستواء على العرش تقدم تفسيره في سورتى يونس وهود ، يلج في الأرض: أي يدخل فيها من كنوز ومعادن وبذور ، وما يخرج منها: كالزرع والمعادن لمنفعة الناس ، وما ينزل من السماء: كالمطر والملائكة ونحوهما ، وما يعرج فيها: كالأبخرة المتصاعدة والأعمال والدعوات ، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل تقدم تفسير هذا فيما تقدم ، ذات الصدور: أي مكنونات النفوس وخفيات السرائر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت