فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 152

أحدهما أنه تعالى إنما شبهها بالثعبان في إحدى الآيتين لعظم خلقها وكبر جسمها وهول منظرها وشبهها في الآية الأخرى بالجان لسرعة حركتها ونشاطها وخفتها فاجتمع لها مع أنها في جسم الثعبان وكبر خلقه نشاط الجان وسرعة حركته وهذا أبهر في باب الإعجاز وأبلغ في خرق العادة ولا تناقض معه بين الآيتين ..

وليس يجب إذا شبهها بالثعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان وإذا شبهها بالجان أن يكون لها جميع صفاته وقد قال الله تعالى * (يطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير قوارير من فضة) * ولم يرد تعالى إن الفضة قوارير على الحقيقة وإنما وصفها بذلك لأنه اجتمع لها صفاء القوارير وشفوفها ورقتها مع أنها من فضة وقد تشبه العرب الشيء بغيره في بعض وجوهه فيشبهون المرأة بالظبية وبالبقرة ونحن نعلم أن في الظباء والبقر من الصفات ما لا يستحسن أن يكون في النساء وإنما وقع التشبيه في صفة دون صفة ومن وجه دون آخر ..

والجواب الثاني أنه تعالى لم يرد بذكر الجان في الآية الأخرى الحية وإنما أراد أحد الجن فكأنه تعالى أخبر بأن العصا صارت ثعبانا في الخلقة وعظم الجسم وكانت مع ذلك كأحد الجن في هول المنظر وافزاعها لمن شاهدها ولهذا قال تعالى (فلما رآها تهتز كأنها جان ولي مدبرا ولم يعقب) ويمكن أن يكون في الآيه تأويل آخر استخرجناه إن

لم يزد على الوجهين الأولين لم ينقص عنهما والوجه في تكلفنا له ما بيناه من الاستظهار في الحجة وإن التناقض الذي توهم زائل على كل وجه وهو إن العصا لما انقلبت حية صارت أولا بصفة الجان وعلى صورته ثم صارت بصفة الثعبان ولم تصر كذلك ضربة واحدة فتتفق الآيتان على هذا التأويل ولا يختلف حكمهما وتكون الآية الأولى تتضمن ذكر الثعبان اخبارا عن غاية حال العصا وتكون الآية الثانية تتضمن ذكر الحال التي ولى موسى فيها هاربا وهي حال انقلاب العصا إلى خلقة الجان وإن كانت بعد تلك الحال انتهت إلى صورة الثعبان ..

فإن قيل على هذا الوجه كيف يصح ما ذكرتموه مع قوله تعالى (فإذا هي ثعبان مبين وهذا يقتضي أنها صارت ثعبانا بعد الالقاء بلا فصل ..

قلنا ليس تفيد الآية ما ظن وإنما فائدة قوله تعالى (فإذا هي) الإخبار عن قرب الحال التي صارت فيها بتلك الصفة وأنه لم يطل الزمان في مصيرها كذلك ويجري هذا مجرى قوله تعالى (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) مع تباعد ما بين كونه نطفة وكونه خصيما مبينا.

وقولهم ركب فلان من منزله فإذا هو في ضيعته وسقط من أعلا الحائط فإذا هو في الأرض ونحن نعلم إن بين خروجه من منزله وبلوغه ضيعته زمانا وأنه لم يصل إليها إلا على تدريج وكذلك الهابط من الحائط وإنما فائدة الكلام الاخبار عن تقارب الزمان وأنه لم يطل ولم يمتد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت