إن سأل سائل عن قوله تعالى (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(189)
فقال: أي معنى لذكر البيوت وظهورها وأبوابها وهل المراد بذلك البيوت المسكونة على الحقيقة أو كنى بهذه اللفظة عن غيرها؟
فإن كان الأول فما الفائدة في إتيانها من أبوابها دون ظهورها وإن كانت كناية فبينوا وجهها ومعناها؟
الجواب قيل له في الآية وجوه ..
أولها ما ذكر من أن الرجل من العرب كان إذا قصد حاجة فلم تقض له ولم ينجح فيها رجع فدخل من مؤخر البيت ولم يدخل من بابه تطيرا فدلهم الله تعالى على أن هذا من فعلهم لا بر فيه وأمرهم من التقى بما ينفعهم ويقربهم إليه وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التطير وقال"لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر"أي لا يعدي شيء شيئا ..
وثانيها: إن العرب إلا قريشا ومن ولدته قريش كانوا إذا أحرموا في غير الأشهر الحرم لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها ودخلوها من ظهورها إذا كانوا من أهل الوبر وإذا كانوا من أهل المدر نقبوا في بيوتهم ما يدخلون ويخرجون منه ولم يدخلوا ولم يخرجوا من أبواب البيوت فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأعلمهم إنه لا معنى له وأنه ليس من البر وإن البر غيره ..
وثالثها: وهو جواب أبي عبيدة معمر بن المثنى إن المعنى ليس البر بأن تطلبوا من غير أهله وتلتمسوه من غير بابه وأتوا البيوت من أبوابها معناه اطلبوا الخير من وجهه ومن عند أهله ..
ورابعها: وهو جواب أبي على الجبائي أن يكون الفائدة في هذا الكلام ضرب المثل وأراد ليس البر أن يأتي الرجل الشيء من خلاف جهته لأن إتيانه من خلاف جهته يخرج الفعل عن حد الصواب والبر إلى الاثم والخطأ وبين البر والتقوى وأمر بإتيان الأمور من وجوهها وإن تفعل على الوجوه التي لها وجبت وحسنت وجعل تعالى ذكر البيوت وظهورها وأبوابها مثلا لأن العادل عن الأمر عن وجهه كالعادل في البيت عن بابه ..
وخامسها: أن تكون البيوت كناية عن النساء ويكون المعني وأتو النساء من حيث أمركم الله والعرب تسمي المرأة بيتا ..
قال الشاعر [[مالي إذا أنزعها صأيت أكبر غيرني أم بيت أراد بالبيت المرأة] ] ..