فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 152

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ(55)}

إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) ..

فقال كيف يعذبهم بالأموال والأولاد ومعلوم أن لهم فيها سرورا ولذة وأما تأويل قوله تعالى (وهم كافرون) فظاهره يقتضي أنه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم لأن القائل إذا قال أريد أن يلقاني فلان وهو لابس أو على صفة كذا وكذا فالظاهر إنه أراد كونه على تلك الصفة .. ؟

الجواب قلنا أما التعذيب بالأموال والأولاد ففيه وجوه ..

أولها: ما روي عن ابن عباس وقتادة وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير ويكون التقدير فلا تعجبك يا محمد ولا يعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار والمنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة عقوبة لهم على منعهم حقوقها واستشهد على ذلك بقوله تعالى (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) ..

وأنشد في ذلك قول الشاعر عشية أبدت جيد أدماء مغزل وطرفا يريك الإثمد الجون أحورا يريد وطرفا أحور يريك الإثمد الجون وقد اعتمد هذا الوجه أيضا أبو علي قطرب وذكره أبو القاسم البلخي والزجاج ..

وثانيها: أن يكون معنى التعذيب بالأموال والأولاد في الدنيا هو ما يجعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبى أولادهم واسترقاقهم وفي ذلك لا محالة إيلام لهم واستخفاف بهم وإنما أراد الله تعالى بذلك اعلام نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين إنه لم يرزق الكفار الأموال والأولاد ولم يبقها في أيديهم كرامة لهم ورضى عنهم بل للمصلحة الداعية إلى ذلك وأنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الذي ذكرناه فلا يجب أن يغبطوا بها ويحسدوا عليها إذ كانت هذه عاجلتهم والعقاب الأليم في النار آجلتهم وهذا جواب أبي على الجبائي وقد طعن عليه بعض من لا تأمل له فقال كيف يصح هذا التأويل مع انا نجد كثيرا من الكفار لا تنالهم أيدي المسلمين ولا يقدرون على غنيمة أموالهم ونجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة لمكان الذمة والعهد وليس هذا الاعتراض بشيء لأنه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد ممن أوجب الله تعالى محاربته فأما الذين هم بحيث لا تنالهم الأيدي أو هم من القوة على حد لا يتم معه غنيمة أموالهم فلا يقدح

الاعتراض بهم في هذا الجواب لأنهم ممن أراد الله تعالى أن يسبى ويغنم ويجاهد ويغلب وإن لم يقع ذلك وليس في ارتفاعه بالتعذر دلالة على إنه غير مراد ..

وثالثها: أن يكون المراد بتعذيبهم

بذلك كلما يدخله في الدنيا عليهم من الغموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التي لهؤلاء الكفار المنافقين عقاب وجزاء وللمؤمنين محنة وجالبة للعوض والنفع ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته وعند احتضاره وانقطاع التكليف عنه مع إنه حي من العذاب الدائم الذي قد أعد له واعلامه إنه صائر إليه أو منتقل إلى قراره وهذا الجواب قد روى معنى أكثره عن قوم من متقدمي المفسرين وذكره أبو علي الجبائي أيضا ..

ورابعها: جواب يحكى عن الحسن واختاره الطبري وقدمه على غيره وهو أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض والحقوق في أموالهم لأن ذلك يؤخذ منهم على كره وهم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نية ولا عزيمة فتصير نفقتهم غرامة وعذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت