فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 152

{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ... (286) }

إن سأل سائل عن قوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ..

فقال كيف يجوز أن يأمرنا على سبيل العبادة بالدعاء بذلك وعندكم أن النسيان من فعله تعالى فلا تكليف على الناسي في حال نسيانه وهذا يقتضي أحد أمرين إما أن يكون النسيان من فعل العباد على ما يقوله كثير من الناس أو تكون متعبدين بمسئلته تعالى ما نعلم أنه واقع حاصل لأن مؤاخذة الناسي مأمونة منه تعالى والقول في الخطأ إذ أريد به ما وقع سهوا أو من غير عمد يجري هذا المجرى .. ؟

الجواب: قلنا قد قيل في هذه الآية المراد [ننسياننا] تركنا قال أبو علي قطرب بن المستنير معنى النسيان ههنا الترك كما قال تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى) أي ترك ولولا ذلك لم يكن فعله معصية وكقوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته وقد يقول الرجل لصاحبه لا تنسنى من عطيتك أي لا تتركني منها وأنشد ابن عرفة ولم أك عند الجود للجود قاليا * ولا كنت يوم الروع للطعن ناسيا أي تاركا ..

ومما يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) أي تتركون أنفسكم ..

ويمكن في الآية وجه آخر على أن يحمل النسيان على السهو وفقد المعلوم ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من الامالى من أنه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى وإظهار الفقر إلى مسئلته والاستعانة به وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله ويجري مجرى قوله تعالى في تعليمنا وتأديبنا (لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ومجرى قوله تعالى (قل رب احكم بالحق) . (ولا تخزني يوم يبعثون) وقوله تعالى حاكيا عن الملائكة (فاغفر للذين تابوا) الآية وهذا الوجه يمكن أيضا في قوله تعالى (أو أخطأنا) إذا كان الخطأ ما وقع سهوا أو غير عمد فأما على ما يطابق الوجه الأول فقد يجوز أن يريد تعالى بالخطأ ما يفعل من المعاصي بالتأويل السيئ وعن الجهل بأنها معاص لأن من قصد شيئا على اعتقاد أنه بصفة فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال قد أخطأ فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو ولا تأويل ومما أقدموا عليه مخطئين متأولين ..

ويمكن أيضا أن يريد بأخطأنا ههنا أذنبنا أو فعلنا قبيحا وإن كنا له متعمدين وبه عالمين لأن جميع معاصينا لله تعالى قد توصف بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب وإن كان فاعلها متعمدا فكأنه تعالى أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات ومما فعلوه من المقبحات ليشتمل الكلام على جهتى الذنوب والله أعلم بمراده ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت