إن سأل سائل عن قوله تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا) إلى قوله (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ..
فقال ما الذى أثبت لهم العلم به وكيف يطابق وصفهم بالعلم ههنا لوصفهم بالجهل في قوله تعالى (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) .. ؟
الجواب: قلنا هذه الآية معناها متعلق بما قبلها لأنه تعالى أمرهم بعبادته والاعتراف بنعمته ثم عدد عليهم صنوف النعم التي ليست إلا من جهته ليستدلوا بذلك على وجوب عبادته وإن العبادة إنما تجب لاجل النعم المخصوصة فقال جل من قائل (يا أيها الناس اعبدو ربكم الذى خلقكم) إلى آخر الآية ونبه في آخرها على وجوب توحيده والاخلاص له وأن لا يشرك به شيئا بقوله تعالى (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) ومعنى قوله تعالى (جعل لكم الأرض فراشا) أي يمكن أن تستقروا عليها وتفرشوها وتتصرفوا فيها وذلك لا يمكن إلا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون وقد استدل أبو علي بذلك وبقوله تعالى (وجعل لكم الأرض بساطا) على بطلان ما تقوله له المنجمون من أن الأرض كرية الشكل وهذا القدر لا يدرك لأنه يكفى في النعمة علينا أن يكون فيها بسائط ومواضع مسطوحة يمكن التصرف عليها وليس يجب أن يكون جميعها كذلك ومعلوم ضرورة أن جميع الأرض ليس مسطوحا مبسوطا وإن كان مواضع التصرف منها بهذه الصفة والمنجمون لا يدفعون أن يكون في الأرض بسائط وسطوح يتصرف عليها ويستقر فيها وإنما يذهبون إلى أن بجملتها شكل الكرة وليس له أن يقول قوله تعالى (وجعل لكم الأرض فراشا) يقتضي الإشارة إلى جميع الأرض وجملتها لا إلى مواضع منها لأن ذلك تدفعة الضرورة من حيث أنا نعلم بالمشاهدة أن فيها ما ليس ببساط ولا فراش ولا شبهة في أن جعله تعالى السماء على ما هي عليه من الصفة مما له تعلق بمنافعنا ومصالحنا وكذلك إنزاله تعالى منها الماء الذى هو المطر الذى تظهر به الثمرات فننتفع بنيلها والاغتذاء بها ..
فأما قوله تعالى (فلا تجعلوا الله أندادا) فإن الند هو المثل والعدل ..
قال حسان بن ثابت أتهجوا ولست له بند * فشركما لخير كما الفداء