فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 152

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)}

إن سأل سائل عن قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) الآية. [سورة البقرة] فقال كيف ضمن الإجابة وتكفل بها وقد نرى من يدعو فلا يجاب. الجواب قلنا في ذلك وجوه. أولها: أن يكون المراد بقوله تعالى (أجيب دعوة الداع) أي أسمع دعوته ولهذا يقال للرجل دعوت من لا يجيب أي من لا يسمع وقد يكون أيضا يسمع بمعني يجيب كما كان يجيب بمعني يسمع يقال سمع الله لمن حمده يراد به أجاب الله من حمده. وأنشد ابن الأعرابي دعوت الله حتي خفت أن لا * يكون الله يسمع ما أقول أراد يجيب ما أقول. وثانيها: أنه تعالى لم يرد بقوله تعالى (قريب من قرب المسافة بل أراد انني قريب باجابتي ومعونتي ونعمتي أو لعلمي بما يأتي العبد ويذر وما يسر ويجهر تشبيها بقرب المسافة لأن من قرب من غيره عرف أحواله ولم يخفف عليه ويكون قوله تعالى(أجيب) على هذا تأكيد للقرب فكأنه أراد إنني قريب قربا شديد وإنني بحيث لا يخفى على أحوال العباد كما يقول القائل إذا وصف نفسه بالقرب من صاحبه والعلم بحاله أنا بحيث أسمع كلامك وأجيب نداءك أو ما جرى هذا المجرى وقد روى أن قوما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا له ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى هذه الآية. وثالثها: أن يكون معنى هذه الآية أنني أجيب دعوة الداعي إذا دعاني على الوجه الصحيح وبالشرط الذي يجب أن يقارن الدعاء وهو أن يدعو باشتراط المصلحة ولا يطلب وقوع ما يدعو به على كل حال ومن دعا بهذا الشرط فهو مجاب على كل حال لأنه إن كان صلاحا فعل ما دعا به وإن لم يكن صلاحا لم يفعل لفقد شرط دعائه فهو أيضا مجاب إلي دعائه. ورابعها: أن يكون معنى دعاني أي عبدني وتكون

الإجابة هي الثواب والجزاء على ذلك فكأنه قال إنني أثيب العباد على دعائهم لي وهذا مما لا اختصاص فيه. وخامسها: ما قاله قوم من أن معنى الآية أن العبد إذا سأل الله تعالى شيئا في إعطائه صلاح فعل به وأجابه إليه وإن لم يكن في إعطائه إياه في الدنيا صلاح وخير لم يعطه ذلك في الدنيا وأعطاه إياه في الآخرة فهو مجيب لدعائه على كل حال. وسادسها: إنه تعالى إذا دعاه العبد لم يخل من أحد أمرين إما أن يجاب دعاؤه وإما أن يخاب له بصرفه عما سأل ودعا فحسن اختيار الله له يقوم مقام الإجابة فكأنه يجاب على كل حال وهذا الجواب يضعف لأن العبد ربما سأل ما فيه صلاح ومنفعة له في الدنيا وإن كان فيه فساد في الدين لغيره فلا يعطى ذلك لأمر يرجع إليه لكن لما فيه من فساد غيره فكيف يكون مجابا مع المنع الذي لا يرجع إليه منه شيء من الصلاح اللهم إلا أن يقال إنه دعاء مشروط بأن يكون صلاحا ولا يكون فسادا وهذا مما تقدم ومعنى قول تعالى (فليستجيبوا لي) أي فليجيبوني وليصدقوا رسلي.

قال الشاعر وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب

فقلت ادع أخرى وارفع الصوت ثانيا * لعل أبي المغوار منك قريب

أي لم يجبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت