ما عملت وكما قال الشاعر
نغالى اللحم للاضياف نيا * ونبذله إذا نضج القدور
أراد نغالي باللحم. والوجه الثاني انهم لاستثقالهم استماع آيات الله تعالى وكراهيتهم تذكرها وتفهمها جرى مجرى من لا يستطيع السمع كما يقول القائل ما يستطيع فلان أن ينظر لشدة عداوته إلى فلان وما يقدر على أن يكلمه وكما نقول لمن عهدنا منه للعناد والاستثقال لاستماع الحجج والبينات ما تستطيع أن يسمع الحق وما يطيق أن يذكر له ذلك
وكما قال الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل
ونحن نعلم أنه قادر على الوداع وإنما نفى قدرته عليه من حيث الكراهة والاستثقال.
ومعنى (وما كانوا يبصرون) أي إن إبصارهم لم يكن نافعا لهم ولا مجديا عليهم مع الاعراض عن تأمل آيات الله تعالى وتدبرها فلما انتفعت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفي عنهم الإبصار نفسه كما يقال للمعرض عن الحق العادل عن تأمله مالك لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل وما أشبه ذلك.
والوجه الثالث أن يكون معنى نفى السمع والبصر راجعا إلي آلهتهم لا إليهم وتقدير الكلام أولئك وآلهتهم لم يكونوا معجزين في الأرض يضاعف لهم العذاب ثم قال مخبرا عن الآلهة ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون وهذا الوجه مروي عن ابن عباس رضي الله عنه وفيه أدنى بعد.
ويمكن في الآية وجه رابع وهو أن يكون ما في قوله (ما كانوا يستطيعون السمع) ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم لأواصلنك ما لاح نجم ولأقيمن على مودتك ما طلعت شمس. ويكون المعنى إن العذاب يضاعف لهم في الآخرة ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أي انهم معذبون ما كانوا أحياء.
فإن قيل كيف يعبر عن كونهم أحياء باستطاعة السمع والإبصار وقد يكون حيا من لا يكون كذلك. قلنا للعرف في مثل هذا عادة لأنهم يقولون والله لا كلمت فلانا ما نظرت عيني ومشت قدمي وهم يريدون ما بقيت وحييت لأن الأغلب من أحوال الحى أن تنظر عينه وتمشي قدمه فجعلوا الاغلب كالواجب
ومن ذلك قول الشاعر
وما أنس من شيء تقادم عهده * فلست بناس ما هدت قدمي نعلي عشية قالت والدموع بعينها * هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلي
وإنما أراد أني لا أنسي ذلك ما حييت وكذلك لا يمتنع أن يعلق على هذا المذهب دوام العذاب بكونهم مستطيعن للسمع والأبصار ويعود المعنى إلى تعلقه ببقائهم وكونهم أحياء والمرجع في ذلك إلى التأييد لأنه إذا علق العذاب ببقائهم وإحيائهم علمنا إن الآخرة لا موت فيها ولا خروج عن الحياة وعلمنا تأييد العذاب.