لأن التثنية أول الجمع قال الله تعالى (إذا نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) أراد تعالى وكنا لحكم داود وسليما عليهما السلام وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول قوله تعالى (فإن كان له إخوة) على معنى فإن كان له أخوان ..
قال الراعي:
أخليد إن أباك ضاف وساده * همان باتا جنبة ودخيلا
أي داخلا في القلب طرقا
فتلك هما همى أقريهما * قلصا لواقح كالقسى وحولا
فعبر بالهماهم وهى بمعنى الهموم وهما اثنان ..
فإن قيل فما معنى الهبوط الذى أمروا به ..
قلنا أكثر المفسرين على أن الهبوط هو النزول من السماء إلى الأرض وليس في ظاهر القرآن ما يوجب ذلك لأن الهبوط كما يكون النزول من علو إلى سفل فقد يراد به الحلول في المكان والنزول به قال الله تعالى (اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم) ويقول القائل من العرب هبطنا بلد كذا وكذا يريد حللنا ..
قال زهير:
ما زلت أزمقهم حتى إذا هبطت * أيدي الركاب بهم من راكس فلقا
فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط الخروج من المكان وحلول غيره ويحتمل أيضا أن يريد بالهبوط غير معنى المسافة بل الانحطاط من منزلة إلى دونها كما يقولون قد هبط عن منزلته ونزل عن مكانه إذا كان على رتبة فانحط إلى دونها ..
فإن قيل فما معنى قوله (بعضكم لبعض عدو) ..
قلنا أما عداوة إبليس لآدم وذريته فمعروفة مشهورة وأما عداوة آدم عليه السلام والمؤمنين من ذريته لابليس فهى واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار أي المارقين عن طاعة الله تعالى المستحقين لمقته وعداوته وعداوة الحية على الوجه الذى تضمن إدخالها في الخطاب لبنى آدم معروفة ولذلك يحذرهم منها ويجنبهم فأما على الوجه الذى يتضمن أن الخطاب اختص آدم وحواء دون غيرهما فيجب أن يحمل قوله تعالى (بعضكم لبعض عدو) على أن المراد به الذرية كأنه قال تعالى (اهبطوا) وقد علمت من حال ذريتكم أن بعضكم يعادى بعضا وعلق الخطاب بهما
للاختصاص بين الذرية وبين أصلها ..
فإن قيل أليس ظاهر القرآن (اهبطوا) يقتضي الأمر بالمعاداة كما أنه أمر بالهبوط وهذا يوجب أن يكون تعالى أمرا بالقبيح على وجه لأن معاداة إبليس لآدم عليه السلام قبيحة ومعاداة الكفار من ذريته للمؤمنين منهم كذلك ..
قلنا ليس يقتضي الظاهر ما ظننتموه وإنما يقتضي أنه أمرهم بالهبوط في حال عداوة بعضهم بعضا فالأمر مختص بالهبوط والعداوة تجرى مجرى الحال وهذا له نظائر كثيرة في كلام العرب ويجري مجرى هذه الآية في أن المراد بها الحال قوله (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهو كافرون) وليس معنى ذلك أنه أراد كفرهم كما أراد تعذيبهم وإزهاق نفوسهم بل أراد أن تزهق أنفسهم في حال كفرهم وكذلك القول في الأمر بالهبوط وهذا بين ..