القسم الثاني: أن تبقى أحكام الله عز وجل على ما هي عليه، وتكون السلطة لها، ويكون الحكم منوطًا بها، ولكن يأتي حاكم من الحكام فيحكم بغير ما تقتضيه هذه الأحكام، أي: يحكم بغير ما أنزل الله، فهذا له ثلاث حالات:
-الحال الأولى: أن يحكم بما يخالف شريعة الله معتقدًا أن ذلك أفضل من حكم الله وأنفع لعباد الله، أو معتقدًا أنه مماثل لحكم الله، أو يعتقد أنه يجوز له الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا كفر يخرج به الحاكم من الملة، لأنه لم يرض بحكم الله، ولم يجعل الله حكمًا بين عباده.
الحال الثانية: أن يحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباده، لكنه خرج عنه وهو يشعر أنه عاص لله، وإنما يريد الجور والظلم للمحكوم عليه؛ لما بينه وبينه من عداوة، فهو يحكم بغير ما أنزل الله لا كراهة لحكم الله، ولا استبدال به، ولا اعتقاد بأنه -أي الحكم الذي حكم به- أفضل من حكم الله، أو مساو له، أو أنه يجوز الحكم به، لكن من أجل الإضرار بالمحكوم عليه حكم بغير ما أنزل الله، ففي هذه الحال لا نقول: إن هذا الحاكم كافر، بل نقول: إنه ظالم معتد وجائر.
الحال الثالثة: أن يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله تعالى هو الأفضل والأنفع لعباد الله، وأنه بحكمه هذا عاص لله، ولكنه حكم لهوى في نفسه لمصلحة تعود له أو للمحكوم له، فهذا فسق وخروج عن طاعة الله، وعلى هذه الأحوال الثلاثة يتنزل قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وهذا ينزل على الحالة الأولى. (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ينزل على الحالة الثانية. (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ينزل على الحالة الثالثة" (فقه العبادات، ابن عثيمين، ص34، ط. دار الكتب العلمية) ."
* وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
هل هناك فرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله، وبين المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا؟
فأجاب فضيلته:
"نعم؛ هناك فرق، فإن المسائل التي تعتبر تشريعًا عامًا لا يتأتى فيها التقسيم السابق، وإنما هي من القسم الأول فقط، لأن هذا المشرع تشريعا يخالف الإسلام إنما شرعه"