فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 66

عليه وسلم فيما أمر الله به في قوله: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) .

وفي آية الباب أنكر الله زعمهم الإيمان وأكذبهم؛ لما في ضمن (يَزْعُمُونَ) من نفي إيمانهم، فإن (يَزْعُمُونَ) إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب، يحققه قوله: (وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) ؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، فإذا اختل هذا الركن لم يكن موحِّدًا، ومن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصح به الأعمال، وتفسده بفساده ...

قال تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) يعني أن الشيطان يريد أن يضل هؤلاء -المتحاكمين إلى الطاغوت- عن سبيل الحق والهدى ضلالًا بعيدًا، فيجور بهم جوراَ شديدًا، فبين تعالى في هذه الآية أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان، ويزينه لمن أطاعه، وأن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله، وأكده بالمصدر، ووصفه بالبعد، فدل على أن ذلك من أعظم الضلال، والبعد عن الهدى، فلا يمكنهم الرجوع إلى الحق أبداَ، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) . فإن المنافقين يكرهون الحق وأهله، ويهوون ما يخالفه من الباطل، فيمتنعون بذلك من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون غيرهم، فبين تعالى صفتهم، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن؛ فإنه في غاية البعد من الإيمان، قال ابن القيم: هذا دليل على أن من دُعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين، و (يَصُدُّونَ) لازم، وهو بمعنى يُعرضون؛ لأن مصدره (صُدُودًا) . وما أكثر من اتصف بهذا الوصف خصوصًا من يدعي العلم، فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه إلى أقوال من يخطئ كثيرًا؛ ممن ينتسب إلى الأئمة الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده، وجعلوا قوله المخالف لنص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة هو المعتمد عندهم؛ الذي لا تصح الفتوى إلى به، بل ومن يجعل المعتمد النظم والقوانين الإفرنجية ويدعي الإسلام. وقال شيخنا: (المرتضي بالسياسات والقوانين كافر يجب قتله، وإن المنافقين أشد من الكفار الخلص، ومن ظن أن حكم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه؛ فهو كافر بإجماع المسلمين، فالله المستعان) (حاشية كتاب التوحيد: ص283 - 285) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت