وقد انحرف عن الدين بسبب هذه المشابهة فئام من الناس، فمستقل من الانحراف، ومستكثر. وآل بكثير منهم إلى الردة والخروج من دين الإسلام بالكلية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والتحاكم إلى غير الشريعة المحمدية من الضلال البعيد والنفاق الأكبر، قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) . ثم نفى تبارك وتعالى الإيمان عمن لم يُحكِّم الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع، ويرضى بحكمه ويطمئن إليه قلبه، ولا يبقى لديه شك أن ما حكم به هو الحق الذي يجب المصير إليه، فيذعن لذلك وينقاد له ظاهرًا وباطنًا. وأقسم سبحانه وتعالى على النفي بنفسه الكريمة المقدسة؛ فقال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
وما أكثر المعرضين عن أحكام الشريعة المحمدية من أهل زماننا، ولا سيما أهل الأمصار الذين غلبت عليهم الحرية الإفرنجية، وهان لديهم ما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، فاعتاضوا عن التحاكم إليهما بالتحاكم إلى القوانين والسياسات والنظامات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي متلقاة عن الدول الكافرة بالله ورسوله، أو من يتشبه بهم ويحذو حذوهم من الطواغيت الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم عنه بمعزل.
وأقبحُ من فعل المنافقين: ما يُذكَر عن بعض أهل زماننا؛ أنهم قالوا: إن العمل بالشريعة المحمدية يؤخرهم عن اللحاق بأمم الإفرنج وأضرابهم من أعداء الله تعالى، وهذه ردة صريحة، والله المسؤول أن يقيض لأهلها، ولكل من لم يرض بأحكام الشريعة المحمدية؛ من يعاملهم معاملة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لإخوانهم من قبل" (الدرر السنية: 16/ 226 - 228) ."
* وقال أيضًا:
"ومن اطّراح الأحكام الشرعية: ما يفعله كثير من المنتسبين إلى الإسلام من إبدال الحدود والتعزيرات بالحبس؛ موافقة للإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى. وهذا مصداق ما في حديث أبي أمامة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وكلما"