فهرس الكتاب
ومن يقرأ جيدًا تاريخ الإسلام يدرك أن الخلل في أنظمة الحكم أفسد القوة الاجتماعية للمسلمين والخلل في المفاهيم والتوجيهات الإسلامية أفسد القوة الالتزامية للمسلمين، وإذا فسدت قوة الاجتماع وقوة الالتزام بالافتراق الدنيوي والافتراق الديني هوى كيان الأمة ودخلت في أطوار الانحلال والانحدار والتفكك ولا أمل في إصلاح حال المسلمين إلا بالخروج من شرعيات الضرورة التي استمرت عشرة قرون في سياسات الملك وأوضاع السلطة وأنظمة الحكم إلى شرعية الاستقرار وهذا ضروري لإصلاح وضع الأمراء أهل الأيدي والقتال والعودة إلى المفاهيم والتوجهات الصحيحة في حركة العلماء، ومن يدرك هذا يفهم ما جاء في تحذير الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمته من بني قنطوراء، وبنو قنطوراء هم الترك الذين صار إليهم أمر الشوكة في الإسلام من القرن الثالث الهجري حتى سقوط الخلافة الإسلامية [1] .
جاء في أطلس تاريخ الإسلام عن ملوك الترك والأعاجم [2] :
«قد مررنا في دراستنا بدول عظيمة بدأت بدايات جليلة كالسامانيين والغزنويين والأيوبيين والأتراك العثمانيين ولكنها كلها كانت ثقيلة اليد على الناس شديدة الطمع في أموالهم قليلة الاهتمام بدمائهم لهذا توقف معظمها بعد مسير قليل. وتحولت إلى استبداديات صغيرة يتحارب أفرادها على الملك لأنه كان الوسيلة الكبرى لكسب المال» .
وهكذا كان ملوك الأعاجم والترك الذين حموا الإسلام من الخارج هم الذين استنفدوا قوة مجتمعاته من الداخل إلى أن نفدت كل قدرة على العطاء ووقفت هذه المجتمعات جامدة أو تدهورت في بنائها الداخلي من حيث نظم الحكم والإدارة والاجتماع والاقتصاد والعمران فكان هذا هو الخلل عند أهل الأيدي والقتال.
ويصف ابن تيمية جانبًا من الخلل عند أهل الألسنة والجدال الذي أضعف قدرة الأمة على المواجهة عند تعرضها للغزو العلماني في زماننا هذا فيقول رحمه الله [3] :
(1) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: كنت جالسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -. فسمعنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه صغار الأعين كأن وجوههم الحجف (*) ثلاث مرات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السابقة الأولى: فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيصطلمون (**) كلهم من بقي منهم، قالوا: يا نبي الله من هم؟ قال: «هم الترك» ، قال: «أما والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين» ، قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ذلك للهرب مما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من البلاء من أمراء الترك (***) .
(*) الحجف: الحجفة: الترس.
(**) يصطلمون: الاصطلام: الصلم: القطع، أي يحصدون.
(***) مسند أحمد 5/ 348، 349.
ـ عن ابن مسعود مرفوعًا: اتركوا الترك ما تركوكم، وقال: «أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء» .
ـ ينظر في ذلك: قتال الترك وقتال العجم، صفحات 93 - 99، كتاب أشراط الساعة، يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل، دار طيبة، مكتبة ابن الجوزي 1409 هـ، 1989 م.
(2) د. حسين مؤنس: أطلس تاريخ الإسلام.
(3) الفتاوى الكبرى جـ 5، ص 212 - 213، طبعة دار القلم ـ بيروت.