فهرس الكتاب
«وقد لُبسَ على طوائف من الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركًا وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك» . أ هـ.
فغاب بذلك عن هؤلاء مفهوم الإيمان الصحيح بكونه: إذعان لحكم المخبر وقبوله، وكذا غاب مفهوم التوحيد بشعبتيه توحيد الاعتقاد وتوحيد العمل. فأثبتوا توحيد الاعتقاد (الربوبية) ولم يثبتوا توحيد العمل (الألوهية) بأركانه الثلاثة (إفراد الله بالحكم والولاء والنسك) .
فبذلك ضعفت مقاومة الأمة عند مواجهتها للعلمانية واستطاعت العلمانية أن تتسرب إلى ديار الإسلام وتجد لها شرعية لسيطرتها فيها بدعوى أن القائمين عليها مسلمون!!!
ومع تفاقم جرثومة الإرجاء بقصر الإيمان على تصديق الخبر بالقلب أو باللسان أو بهما معًا دون قبول الحكم، وانتشارها ليس فقط بين عوام الناس بل بين أهل الألسنة والجدال ومع دخول العلمانية إلى ديار الإسلام وإعلان العلمانيين في بداية الأمر أنهم مسلمون وأن العلمانية لا تتنافى مع الإسلام هنا تبددت الهوية بتعدد الشرعية والتبس الأمر على الناس.
ثم مع غياب مفاهيم الولاء والبراء الصحيحة، صرح العلمانيون بعد ذلك بأنه لا يجب الإلتقاء على أساس الدين بل عندهم الولاء والبراء على غايات أخرى كالوطنية والقومية.
فمع جرثومة الإرجاء وغياب مفاهيم الولاء والتوجه الصوفي في الأمة وهجمة العلمانية الشرسة ووجود بعض ظواهر الاغتراب هنا تميعت الأمور، واختلطت المفاهيم وحدث الإلتباس لدى الناس حول مفهوم العقيدة وهي: (تحقيق العبودية لله بقبول شرع الله ورفض ما سواه) ومفهوم الشرعية وتميع الاجتماع الشرعي وتميعت مفاهيم السمع والطاعة ومفاهيم عصمة الدم والمال.
وفي ظل هذا الالتباس والتميع استطاعت العلمانية أن ترسخ أقدامها دون أن يتحدد موقف المسلم منها ودون أي مقاومة تُذكر من الأمة.
وفي نهاية القرن التاسع عشر، طرح العلمانيون فكرة الالتقاء والانتماء والتجمع على فكرة القومية العربية [1] (الرابطة أو الجامعة العربية) بديلًا عن الرابطة الإسلامية ثم لم يكتفوا بذلك بل أرادوا للأمة مزيدًا من التشرذم، فطرحوا بعد الحرب العالمية الأولى فكرة الوطنيات المختلفة التي كانت سائدة في التاريخ القديم السابق على الإسلام كالوطنية المصرية القديمة (الفرعونية) والآشورية والبابلية والفينيقية والفارسية والهندية والطورانية وغيرها من الوطنيات والقوميات الجاهلية [2] التي بدأت تنخر في عظام الأمة لتسلمها إلى مزيد من ترسيخ العلمانية وإبعاد الأمة عن هويتها.
ثم لم يكتفوا بكل هذا بل يحاولون الآن جعل (الفرانكفونية) والشرعية الدولية والشرق أوسطية هي الرابطة ــ أو الروابط ــ التي يجتمع حولها الناس، ومسح أي هوية سابقة لهذه الأمة لتمريغ أنفها في التراب وإذلالها وجعلها تابعة ــ في هذه الهوية ــ لأحفاد القردة والخنازير.
(1) راجع د. محمد محمد حسين: الإسلام والحضارة الغربية ص 202 - 208.
(2) المرجع السابق ص 236 وما بعدها.