فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 101

يقول بعض السلف الصالح من هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين:

«لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها» .

وقد مر بنا كيف صلح أولها وأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبائل متفرقة متناحرة متقاتلة قد تفشى فيها الظلم الاجتماعي والفساد الأخلاقي والاستبداد السياسي، ونخرت الجاهلية في بنيانهم وعقولهم حتى عبدوا الحجر والوثن، أخرج منهم - صلى الله عليه وسلم - أمة ــ بل خير أمة أخرجت للناس ــ وكذلك، لتخرج ــ إلى الناس ــ الأمة من هذه الحالة الحرجة التي هي فيها إلى الأمة الخيرة لا بد من الاستنان به - صلى الله عليه وسلم - في:

إحياء الهوية الإسلامية: بتجريدها وقيامها على التوحيد الخالص ومنع الافتراق الديني والدنيوي وذلك بإحياء الهوية الإسلامية في قلوب أبناء هذه الأمة بتقوية الشعور الديني والانتماء للإسلام واستخراج هذه الهوية من اللاشعور وإزاحة ما ران عليها من الغبش وإخراجها إلى واقع الكثيرين من المنتسبين إلى هذا الدين وإقامتها على التوحيد الخالص وتجريدها عن غيرها من القضايا الرائجة والمصالح القومية كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الناس إلى التوحيد الخالص دون تبني قضايا العدالة الاجتماعية أو القومية العربية أو الإصلاح الأخلاقي لذاتها، فحرر هذه الهوية عن غيرها من عناصر الجذب ومحاور الاستقطاب الأخرى بين الناس.

وعندما تخلت بعض فصائل الحركة الإسلامية في بداية هذا القرن عن تجريد دعوتها إلى التوحيد الخالص وتبنت القضايا الرائجة في ذلك الوقت من عدالة ــ تصنيع ــ استقلال ــ تمصير ... إلخ. حدث قدر من الإلتباس عند الناس فلم يتضح الفرق بين الحركة الإسلامية وفصائل العمل الوطني فالكل يتبنى نفس القضايا ولكن هذا من منطلق إسلامي وذاك من منطلق وطني وليس هناك ما يمنع الناس من التجمع حول هذا أو ذاك.

فالكل منتسب إلى الإسلام ولا يطعن في إسلامهم الاتجاه نحو هؤلاء أو هؤلاء.

ونتج عن هذا اللبس وعدم الوضوح العقدي في طرح الحركة الإسلامية لقضيتها واختلاطها بغيرها ـ والذي أعطى أعداءها الفرصة لسحب البساط من تحت أقدامها بتبني هؤلاء الأعداء لنفس أهداف الحركة الإسلامية بل وتحقيقها ولو في الظاهر ـ أن فقدت الحركة الإسلامية التفاف الناس حولها وقدرتها على الاستقطاب ومكنت أعداءها من توجيه الضربات إليها تلو الضربات كخطة لحرب دين الله في الأرض، والأمة تقف مكتوفة الأيدي ولا تحرك ساكنًا ولا تدري حقيقة ما يحدث.

لذا لابد للحركة الإسلامية من تجريد الهوية في دعوتها وطرح قضيتها دون التباسها بغيرها. كما لابد لها أن ترتكز على التوحيد الخالص، توحيد الأئمة وسلف الأمة وما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وتوحيد أهل السنة والجماعة وليس توحيد المتكلمين وأهل البدع، توحيد الألوهية: المتضمن والمستلزم لتوحيد الربوبية ـ بأركانه الثلاثة: من إفراد الله ـ سبحانه ـ بالحكم، وإفراده ـ جلَّ وعلا ـ بالولاء، وإفراده ـ تبارك وتعالى ـ بالنسك. مما يمنع اشتراك اللادينية ـ العلمانية ـ مع الإسلام في الاستقطاب بوصفها شريعة غير شريعة الله وبوصفها رابطة يجتمع عليها الناس غير رابطة الإسلام. وبالتالي فمن رضي بالعلمانية فقد رفض شريعة الله ولا يجتمع في قلب امرئ واحد الإيمان بالله وتوحيده مع الإقرار بشرعية التمرد على الله بالرغبة عن شرع الله إلى غيره وبالرغبة عن ولاية الإسلام إلى غيرها من القوميات أو الوطنيات.

فجمعت العلمانية بين وصفين: وهما الاجتماع على غير الإسلام والانتساب إلى غير الشرع أو بمعنى آخر جمعت العلمانية بين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت