فهرس الكتاب
مثل بر الوالدين، وصلة الرحم، ورعاية الجار، وإغاثة الملهوف، وإعانة الرجل على دابته، وإماطة الأذى عن الطريق، كل ذلك يفعله الإنسان بمفرده، دون حاجة إلى معونة غيره، وأما إقامة الأحكام الشرعية من قطع يد السارق , وجلد أو رجم الزاني , وقتل القاتل , وقتال المحاربين المفسدين في الأرض والقضاء بين الناس بالعدل الذي أمر الله به في شرعه، فكل ذلك لم يخاطب به الإمام أو الأمير أو القاضي أو القائد بمفرده وإنما خوطب به الذين أمنوا , يقول اله سبحانه وتعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [1] ، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [2] ، ويقول سبحانه {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ - إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [3] ، ويقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [4] ، فالخطاب للجماعة ولا يمكن ذلك بمباشرة كل فرد في هذا التكليف، وإنما يكون بإقامة السلطة الشرعية التي تقوم بذلك، وإقامة هذه السلطة هو مسئولية تضامنية يحتاج فيها الإنسان إلى غيره ولا يمكن أن يقوم بها بمفرده.
يقول سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [5] .
يقول ابن كثير في تفسيرها: «يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلًا كما قال تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [6] » .
وأقول: ذكر الله سبحانه وتعالى «الفرد» في قوله: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} أي: في نكوثه عن القيام بواجبة، وذكر «القوم» في الاستبدال وهم الجماعة وذلك دليل على أن النصرة بالجماعة من خلال جهد الفرد وقيامه بواجبه.
المسئولية الفردية والاجتماعية والتضامنية:
وإذا كان للفرد العادي:
1 -مسئولية فردية لا يحتاج فيها إلى غيره ويؤديها منفردًا، كأداء الصلاة.
2 -ومسئولية فردية لا يحتاج فيها إلى غيره, ولكن يؤديها في جماعة مع الآخرين من المسلمين، مثل إقام الصلاة.
3 -ومسئولية تضامنية كإقامة الدولة المسلمة التي تقيم الملة والشريعة وتحفظ البيضة وتجاهد الأعداء وتضع إطار الولاء والبراء لجهد الأفراد حتى لا يخرج عنه حسبما شرع ربنا سبحانه وتعالى.
(1) سورة النور، الآية: 2.
(2) سورة المائدة، الآية: 38.
(3) سورة المائدة، الآيتان: 33 - 34.
(4) سورة البقرة، الآية: 178.
(5) سورة المائدة، الآيات:54 - 56.
(6) سورة محمد، الآية: 38.