فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 101

إحياء القلوب بإثارة الوجدان كما أخبرنا ربنا تبارك وتعالى عنه {كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّه} [1] .

{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [2] .

وهذا هو الشق الأول، والشق الثاني من شقي الإحياء أن القرآن يحق الحق ويبطل الباطل ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. يؤصل ويفصل، يقول تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [3] .

وقد استطاعت الحركة الإسلامية المعاصرة أن تثير الشعور الديني وتستجيش المشاعر الإسلامية عند الكثيرين ولكنها ما زالت تتعثر وتتنكب الطريق في تأصيلاتها الشرعية.

ولذلك كانت هذه الرسالة خطوة في جانب التأصيل ومشعلًا يضيء لهذه الأمة بعضً من الظلمات الحالكة التي تحيط بها في طريقها إلى ربها.

رسالة جمعت بين أقوال أئمة من قرون مختلفة وعصور متباينة وأماكن متعددة ومدارس شتى أضاءوا لهذه الأمة طريقها.

أئمة بهداهم نقتدي وعلى دربهم نسير، ما منعهم من اختلاف اجتهاداتهم وتنوع مشاربهم ومآخذهم للنصوص أن يكونوا أمة واحدة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون} ِ [4] .

وإن هذه الأمة لها هدف واضح وغاية واحدة في الدنيا وهي العمل لتمكين دين الله في الأرض {حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [5] ، وإننا لنهيب بإخواننا رجالات الحركة الإسلامية وأبنائها أن يكونوا على منهج واحد متمثلًا في:

1 -شمولية الدعوة المنبثقة عن شمولية التوجيه الرباني.

2 -الخروج عن محدودية المقاصد إلى رسالة الإحياء.

وبالتالي: إذا تحققت وحدة المنهج ـ وقد تحققت قبلها وحدة الهدف ـ فقد تحققت وحدة العمل الإسلامي وإن تعددت أطره وتنوعت مدارسه وتوجهاته. وإن هذه الأمة الواحدة لتدعوا أبناءها أن يخرج منهم صفوة رائدة تعزم العزمة وتمضي على الطريق تتحمل التضحيات تثبت على المبدأ وتحتفظ بالهدف، تخرج عن محدودية المقاصد إلى روح يسري في الأمة فيحييها بالقرآن، يتمثل فيها قول الله تعالى:

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [6] .

صفوة لا تنسى أنها أمة من أمة الإسلام، جزء منها، وبعض من كل تعمل لله من أجل هذه الأمة ومصلحتها لا من أجل نفسها وطائفتها وكيانها متبرئة في ذلك عن الوصف الذي ذمة الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [7] . متبرئة من هذا الوصف وممن اتصفوا به كما برأ ربنا تبارك وتعالى رسوله - منهم، وتقول أم المؤمنين (أم سلمة) رضي الله عنها: «إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب» [8] .

(1) سورة الزمر، الآية: 23.

(2) سورة المائدة، الآية: 83.

(3) سورة هود، الآية:1.

(4) سورة الأنبياء، الآية:92.

(5) سورة الأنفال، الآية: 39.

(6) سورة آل عمران، الآية:104.

(7) سورة الأنعام، الآية: 159.

(8) الاعتصام للشاطبى جـ1، ص 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت