فهرس الكتاب
الآية الأخرى: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 18} إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران، آية 18، 19] فذكر أن الدين عند الله الإسلام، بعد إخباره بشهادته، وشهادة الملائكة وأولي العلم أن لا إله إلا هو، والإله هو المستحق للعبادة، فأما من اعتقد في الله أنه رب كل شيء وخالقه، وهو مع هذا يعبد غيره، فإنه مشرك بربه، متخذ من دونه إلهًا آخر، فليست الإلهية هي الخلق، أو القدرة على الخلق، أو القدم، كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام، إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربه، فلو كان هذا هو الإلهية لكانوا قائلين إنه لا إله إلا هو، فهذا موضع عظيم جدًا، ينبغي معرفته لما قد لبس على طوائف من الناس أصل الإسلام، حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركًا. [1] ""
ويؤكد ابن القيم على وجوب صرف جميع أنواع العبادة لله وحده فيقول: _"فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتحسب، والتوبة، والنذر والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعًا وتعبدًا، والطواف بالبيت، والدعاء، كل ذلك محض حق الله لا يصلح، ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب، ولا نبي مرسل. [2] "
ويبين ابن القيم أهمية هذا التوحيد وعظم الحاجة إليه، فيقول: _
"اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود، والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولابد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه"
(1) المرجع السابق ص 209.
(2) الجواب الكافي ص 180، 181.