فهرس الكتاب
كما يزعم هؤلاء الخصوم أن في تحكيم الشريعة إقرار للاستبداد السياسي، والإرهاب الفكري، ويستدلون على ذلك بما حصل لأوروبا أثناء تسلط رجال الكنيسة، وتارة ينعقون بدعوى جمود الشريعة، وعدم مواكبتها للحياة المتطورة المتجددة، وربما وصفوا أحكام الحدود والقصاص بالقسوة التي لا تلائم إنسانية هذا العصر.
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم في هذا الشأن: -"وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته، باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصًا، أو ظاهرًا، أو استنباطًا أو غير ذلك، علمه من علمه، وجهله من جهله. [1] "
ويقول الشنقيطي في هذا الصدد:-
"وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض، فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكل دعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ونحو ذلك."
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بمصالحها سبحانه وتعالى أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا. [2]
ومما يلحق بمسألة تفضيل حكم الجاهلية على حكم الله تعالى: من لم يحكم بما أنزل الله تعالى استخفافًا واستهانة بحكم الله تعالى، واحتقارًا له [3] ، فمن وقع في ذلك فقد خرج عن الملة؛ لأن ذلك استهزاء بدين الله تعالى، ومن ثم فهو ردة عن الإسلام، كما هو ظاهر في النصوص التالية:-
(1) فتاوي محمد بن إبراهيم (رسالة تحكيم القوانين) 12/ 288.
(2) أضواء البيان 4/ 84، 85.
(3) غالبًا ما يكون هناك تلازم بين من يفضل حكم الطاغوت على حكم الله، وبين من يستهين بالشريعة أو يستهزئ بها.